قدمت لجنة العدالة مساهمة كتابية إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، استجابةً لدعوة المفوضية لتلقي المساهمات بشأن سلامة الصحفيين، وذلك في سياق القرار 59/15 الصادر عن مجلس حقوق الإنسان. وتركز المساهمة على مصر والسودان، وتقيّم مدى فعالية الأطر الوطنية لحماية الصحفيين، بما يشمل القوانين والمؤسسات وآليات المساءلة والسياسات الوقائية وسبل الانتصاف.
وقالت لجنة العدالة إن الوقاية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما لا تكون المؤسسات المعنية بالحماية نفسها ضالعة في الانتهاكات أو متسامحة معها. وأكدت أن وجود قوانين أو هيئات رسمية لا يكفي بذاته لحماية الصحفيين إذا كانت الأجهزة الأمنية أو النيابات أو المحاكم أو هيئات التنظيم الإعلامي و السلطات الفعلية تُستخدم لتجريم العمل الصحفي أو إسكات التغطية المستقلة.
“لجنة العدالة تؤكد أن أطر الحماية الوطنية لا يمكن أن تكون فعالة عندما تكون المؤسسات الرسمية أو السلطات الفعلية ضالعة في استهداف الصحفيين”
وتبيّن المساهمة أن مصر تقدم نموذجاً واضحاً لإعادة توظيف الأطر القانونية والمؤسسية من أجل تقييد الصحافة المستقلة. فقد وثقت لجنة العدالة استمرار تعرض الصحفيين والكتّاب والعاملين في المجال الإعلامي للاعتقال، والاختفاء القسري، والحبس الاحتياطي المطوّل، والاتهامات ذات الصلة بالإرهاب، والمنع من السفر، والفصل التعسفي، وحجب المواقع الإلكترونية، وأشكال من القمع العابر للحدود.
وأشارت اللجنة إلى أن نيابة أمن الدولة العليا والاتهامات المرتبطة بالإرهاب تُستخدم بصورة متكررة لتحويل النشاط الصحفي أو التعبير على الإنترنت إلى قضايا أمن قومي. ومن بين الحالات التي أبرزتها المساهمة قضية الباحث والصحفي هاني صبحي، الذي أُلقي القبض عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على خلفية منشورات على صفحته على فيسبوك، ثم جرى التحقيق معه في القضية رقم 7143 لسنة 2025 باتهامات تشمل الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وشائعات وبيانات كاذبة.
كما تناولت المساهمة استمرار احتجاز الصحفي ياسر أبو العلا لأكثر من عامين في الحبس الاحتياطي، بعد توقيفه في مارس/آذار 2024 واختفائه قسرياً لنحو 50 يوماً، قبل عرضه على نيابة أمن الدولة العليا، حيث أفاد بتعرضه للتعذيب الجسدي والنفسي خلال فترة الاختفاء. كما أوردت المساهمة استهداف أفراد من أسرته كوسيلة للضغط عليه، في نمط يعكس الطابع الانتقامي لبعض الانتهاكات المرتبطة بالعمل الصحفي.
وفي السياق ذاته، سلطت لجنة العدالة الضوء على قضية الصحفية صفاء الكربجي، التي تعرضت للاعتقال مجدداً في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد الإفراج عنها في فبراير/شباط 2024 عقب ما يقرب من عامين من الحبس الاحتياطي. كما وثقت اللجنة تعرضها للفصل التعسفي من مجلة الإذاعة والتلفزيون بعد كشفها عن شبهات فساد ودفاعها عن حقوق العاملين في ماسبيرو، ثم تجديد حبسها لاحقاً في القضية رقم 7256 لسنة 2025 على خلفية منشور على فيسبوك بشأن تهجير سكان منطقة عجيبة في محافظة مطروح.
وأكدت اللجنة أن استهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة في مصر لا يقتصر على الأفراد. فقد أشارت المساهمة إلى ما تعرض له موقع مدى مصر من استدعاءات وتحقيقات ومداهمات وملاحقات وحجب، إضافة إلى حجب أكثر من 600 موقع منذ عام 2017 دون أساس قانوني واضح. كما وثقت اللجنة حجب منصة زاوية ثالثة في فبراير/شباط 2025، بما يمثل تدخلاً مباشراً في حق الجمهور في المعرفة وفي قدرة الصحافة المستقلة على أداء دورها الرقابي.
وفيما يتعلق بالسودان، أكدت لجنة العدالة أن النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أدى إلى انهيار حاد في ضمانات حماية الصحفيين. وشددت على أن الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام يتمتعون بالحماية كمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يجوز استهدافهم أو احتجازهم أو إخفاؤهم أو تعذيبهم أو معاقبتهم بسبب عملهم في نقل المعلومات أو توثيق الانتهاكات.
ووفقاً لتوثيق لجنة العدالة، شهد عام 2025 مقتل 14 صحفياً وإعلامياً في السودان، إلى جانب ست حالات اختفاء قسري، وأربع حالات احتجاز طويل الأمد، وتسع حالات اعتقال تعسفي واحتجاز مؤقت، وأربع ملاحقات قضائية، وثماني انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين سودانيين في دول اللجوء، و19 حالة من التهديد وخطاب الكراهية وحملات التشهير، وثلاثة قرارات أو تدابير مؤسسية قيّدت حرية الصحافة.
وأبرزت اللجنة في مساهمتها عدداً من الحالات الفردية التي تعكس خطورة النمط القائم، من بينها احتجاز الصحفية إخلاص خليفة من قبل قوات تابعة للدعم السريع لأكثر من شهرين، ووفاة الصحفي والمذيع يحيى حمد فضل الله عقب تعرضه للتعذيب في مرافق احتجاز تابعة للجيش، ومقتل الصحفية بخيتة آدم مسعود بشظايا في الخرطوم بحري، ومقتل الصحفيين هاشم الحسن والشيخ السماني ونور سليمان نور في سياقات مرتبطة بالنزاع والهجمات المسلحة.
كما حذرت اللجنة من تصاعد الاختفاء القسري والاستهداف الجماعي للعاملين في الإعلام في السودان، بما في ذلك اختفاء الصحفي عبد الجليل محمد عبد الجليل بعد اختطافه من منزله في كسلا في مايو/أيار 2025، واعتقال خمسة صحفيين في الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، وفقدان الاتصال بعدد آخر من الصحفيين، إلى جانب تداول قوائم تضم أسماء 28 صحفياً وإعلامياً مطلوبين لدى نيابة أمن الدولة في بورتسودان.
وقالت لجنة العدالة إن التجربتين المصرية والسودانية تكشفان إخفاقات مختلفة لكنها مترابطة. ففي مصر، تُستخدم القوانين والمؤسسات لإضفاء طابع أمني وجنائي على الصحافة المستقلة. وفي السودان، يؤدي النزاع المسلح، والإفلات من العقاب، وانهيار الضمانات القضائية، وانقطاع الاتصالات، إلى خلق بيئة تُمكّن من القتل والاختفاء والاحتجاز والترهيب.
ودعت لجنة العدالة المفوضية السامية إلى أن تولي، في دراستها المرتقبة، وزناً مركزياً لمسألة التواطؤ المؤسسي ودور السلطات الفعلية والأجهزة الأمنية والنيابات والمحاكم وهيئات التنظيم الإعلامي في تقويض سلامة الصحفيين. كما شددت على ضرورة أن تشمل أي توصيات دولية ضمانات فعالة لمنع استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية والإعلام ضد العمل الصحفي المشروع، وضمان التحقيق المستقل في جميع الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير سبل انتصاف فعالة للضحايا وأسرهم.
وتؤكد لجنة العدالة أن سلامة الصحفيين ليست مسألة مهنية فحسب، بل هي شرط أساسي لحماية الحق في حرية التعبير، وحق الجمهور في المعرفة، والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
Skip to PDF content



