تتابع “شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان” و”لجنة العدالة”، بقلق بالغ استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، جراء القصف الممنهج بالطائرات المسيّرة والحصار المتوقع الذي تنفذه قوات الدعم السريع منذ أشهر ضد المدنيين. وإذ تدين الشبكة ولجنة العدالة، هذا التصعيد المتفاقم، فإنها تُحذّر من أن غياب التحرك الدولي والاقليمي الجادّ تجاه المدنيين بالولاية إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب لهذه القوات، يضعان المدينة على أعتاب مأساة إنسانية وحقوقية مماثلة لما شهدته مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، حتى سقوطها في أواخر أكتوبر 2025، وتُجددان التأكيد على أن حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ليست خيارًا سياسيًا إنما التزامًا قانونيًا واجب النفاذ بموجب القوانين الدولية.
حجم الأزمة الإنسانية
يعيش في مدينة الأبيض اليوم نحو نصف مليون شخص، من بينهم أكثر من 100 ألف نازح يستحقون حماية خاصة بموجب المبادئ التوجيهية الدولية بشأن النزوح الداخلي، تحت وطأة حصار متواصل منذ أكثر من 18 شهرًا يشكّل بذاته انتهاكًا صارخًا لحق السكان في الحياة والكرامة والحصول على الاحتياجات الأساسية، في ظل انهيار متسارع للخدمات الأساسية.
وقد حذّرت وكالات أممية ودولية من بينها منظمة الهجرة الدولية، خلال الأيام القليلة الماضية، من “وقوع كارثة إنسانية أخرى في المدينة”، مؤكدًة أن المجتمع الدولي لا يجوز أن يسمح بتكرار الفظائع التي وقعت في الفاشر وزمزم خلال العام الماضي. وتُذكّر الشبكة ولجنة العدالة، بأن مثل هذه التحذيرات الأممية المتكررة تُحمّل الأطراف الدولية مسؤولية قانونية وأخلاقية في حال استمر التقاعس عن التحرك الفعال، ولاسيما في ظل التقديرات التي تشير إلى أن الحرب في السودان تسببت حتى الآن في مقتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما بات أكثر من 30 مليون سوداني بحاجة إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني.
وقائع توثّق نمطًا من الانتهاكات الجسيمة
خلال شهر يونيو 2026 وحده، سجّلت الأمم المتحدة أكثر من 15 هجومٍ بطائرات مسيّرة من قبل قوات الدعم السريع على مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها، أسفرت عن أكثر من 45 قتيلًا. ووفق تقرير أممي يغطي الفترة من يناير حتى نهاية يونيو 2026، تسببت هجمات الطائرات المسيّرة في عموم إقليم كردفان بمقتل وإصابة ما لا يقل عن 1200 مدني، مع امتداد الاستهداف إلى الأسواق الشعبية والمرافق الطبية والمناطق السكنية.
كما تفيد التقارير الميدانية بتدمير أو إغلاق ما لا يقل عن 12 منشأة صحية وسوقًا تجاريًا جراء هذه الهجمات. وما بين 25 مايو و25 يونيو 2026 وحدها، استُهدفت 8 محطات وقود في الأبيض، ليرتفع إجمالي محطات الوقود المستهدفة منذ 19 فبراير 2026 إلى 19 محطة. وتعرضت محطة كهرباء الأبيض الفرعية لأضرار مباشرة تسببت في انقطاع التيار الكهربائي لأربعة أيام متواصلة، إضافة إلى أضرار طالت السوق الكبير وأحياء سكنية. كما استهدفت الهجمات أيضًا مركزًا لإيواء النازحين ومدرسة ثانوية، ما أسفر عن سقوط قتلى وإصابة عدد من الطالبات.
مؤشرات الحصار المتوقع وتفاقم الأزمة الصحية
يهدف استهداف قوات الدعم السريع المتكرر لمحطات الوقود والكهرباء ومصادر المياه إلى قطع خطوط الإمداد الحيوية عن المدينة تمهيدًا لإحكام حصار خانق يحاكي ما جرى في الفاشر. ويأتي هذا في ظل انتشار قوات الدعم السريع في محيط مدينة بارا وغيرها من القرى الأخرى، أحد أهم مصادر المياه المغذية لمدينة الأبيض.
وتتفاقم الأزمة الصحية بالتوازي مع التصعيد العسكري؛ إذ باتت نحو 40% من المرافق الصحية في المدينة خارج الخدمة، بينما يواجه نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة على مستوى السودان خطر سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026. كما سُجلت في كردفان 911 إصابة بالكوليرا، من بينها 127 حالة وفاة، وسط انتشار متزايد لأمراض الملاريا والحصبة وحمى الضنك نتيجة انهيار البنية الصحية والمائية.
التحذير العاجل من تكرار سيناريو الفاشر
إن النمط المتكرر لاستهداف للمدنيين إلى جانب البنية التحتية المدنية – من محطات الوقود والكهرباء إلى الأسواق والمرافق الصحية والتعليمية – يعكس استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إخضاع السكان عبر تجويعهم وقطع سبل عيشهم وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، وهو ما يتطابق حرفيًا مع النمط الذي سبق سقوط الفاشر ومخيم زمزم للنازحين، والذي وثّقت خلاله الشبكة ولجنة العدالة إلى جانب منظمات حقوقية دولية، وقوع مجازر وانتهاكات جسيمة راح ضحيتها آلاف المدنيين. وقد أكدت تقارير أممية صراحةً أن انتهاكات قوات الدعم السريع في الأبيض ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو توصيف قانوني له تبعات مباشرة تستوجب المساءلة الجنائية الدولية، لا مجرد الإدانة السياسية.
إن الموقع الاستراتيجي لمدينة الأبيض كنقطة ربط حيوية بين العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور وولايات السودان الأخرى يجعلها هدفًا محوريًا للسيطرة على خطوط الإمداد ، الأمر الذي يرجّح استمرار التصعيد وتشديد الحصار في الفترة المقبلة ما لم يتحرك المجتمع الدولي عاجلًا لوقف هذا الحصار ومحاسبة المتورطين فيه.
وفي هذا السياق، تُرحب المنظمتان باعتماد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراره بشأن حالة حقوق الإنسان في مدينة الأبيض ومحيطها، ولا سيما ما تضمنه من تكليف لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية المرتكبة في المدينة ومحيطها. وتؤكدان أن فعالية هذا القرار ستظل مرهونة بسرعة تنفيذه، وضمان وصول آليات التحقيق إلى الضحايا والشهود، وحفظ الأدلة، وتوفير الموارد والدعم اللازمين للجنة تقصي الحقائق بما يضمن تحويل القرار إلى خطوات عملية للحماية والمساءلة.
وكانت لجنة العدالة قد دعت، في مداخلتها الشفوية أمام مجلس حقوق الإنسان خلال النقاش العاجل بشأن الأبيض، إلى تعزيز مشروع القرار بما يضمن حماية المدنيين، والحفاظ على ولاية لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان وتعزيزها، وضمان التكامل بين الآليات الدولية والإقليمية المعنية بالسودان. كما قدمت اللجنة خلال المشاورات المغلقة السابقة للنقاش العاجل توصيات إضافية ركزت على ضرورة أن يكون أي تعزيز لدور مكتب المفوض السامي مكملاً لعمل لجنة تقصي الحقائق لا بديلاً عنها، وعلى تشجيع أطراف النزاع على الانخراط بحسن نية في تدابير بناء الثقة المقترحة من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان.
التحليل القانوني للوقائع
تُقدّم “شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان” و “لجنة العدالة” هذا التحليل القانوني أدناه باعتباره أساسًا موضوعيًا لتوصيف الانتهاكات الواردة أعلاه، ولتأكيد أن ما يجري في الأبيض ليس نزاعًا عسكريًا معزولًا عن الرقابة القانونية، إنما خرقًا مباشرًا لالتزامات دولية واجبة النفاذ على جميع أطراف النزاع دون استثناء.
تكييف النزاع والقانون الواجب التطبيق
يُصنَّف النزاع الدائر في السودان، بما في ذلك المعارك في الأبيض وكردفان، كنزاع مسلح غير دولي بموجب المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، وهو ما يُلزم جميع أطراف النزاع – الدولة والجماعات المسلحة على حد سواء وكل الأطراف المتحاربة حالياً- باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتحديدًا مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط في الهجوم، إلى جانب الحظر المطلق لاستهداف الأشخاص والأعيان المحمية.
انتهاك مبدأ التمييز وحماية الأعيان المدنية
يقضي القانون الدولي الإنساني العرفي (القاعدة 1 و7 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر) بوجوب التمييز الدائم بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. إن الاستهداف الموثق لمحطات الوقود والكهرباء ومصادر المياه والأسواق والمرافق الصحية والمدارس ومراكز النازحين في الأبيض يشكّل انتهاكًا مباشرًا لهذا المبدأ الآمر، ويُستبعد معه أي تبرير بالضرورة العسكرية ما لم تتحول هذه الأعيان فعليًا إلى أهداف عسكرية مشروعة، وهو ما لا تسنده الوقائع الموثقة.
تجويع المدنيين وحصار المناطق المأهولة كأسلوب حرب محظور
يحظر القانون الدولي الإنساني صراحةً استخدام تجويع السكان المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، بما في ذلك في النزاعات المسلحة غير الدولية، وفقًا للمادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني، والقاعدة 53 من الدراسة العرفية للجنة الدولية للصليب الأحمر). ويشمل ذلك حظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، كمنشآت المياه ومحطات الطاقة وإمدادات الغذاء والوقود. فإن استخدام التجويع وحرمان المدنيين من الأعيان الأساسية لبقائهم قد يشكّل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي، وقد يندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي حيثما توافرت الولاية القضائية. إن الحصار المستمر منذ أكثر من 18 شهرًا، المقترن باستهداف ممنهج لمصادر المياه والوقود والكهرباء، يثير مخاوف جدية من استخدام التجويع والحرمان من الخدمات الأساسية كأسلوب من أساليب الحرب، بما يستوجب تحقيقًا مستقلًا ومساءلة فعالة.
جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
استنادًا إلى التوصيف الأممي الصريح لانتهاكات قوات الدعم السريع في الأبيض بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن الأفعال الموثقة – من قتل المدنيين وقصف الأعيان المحمية والانتهاكات على طرق النزوح – قد تندرج تحت عدة أحكام من نظام روما الأساسي، من بينها: القتل العمد (المادة 8(2)(ج)(1))، وتعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين (المادة 8(2)(ه)(1))، وتعمّد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية والمستشفيات (المادة 8(2)(ه)(4))، فضلًا عن احتمال انطباق وصف الجرائم ضد الإنسانية (المادة 7) في حال ثبوت أن هذه الأفعال ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، بعلم مسبق بهذا الهجوم.
الالتزامات المترتبة على أطراف ثالثة والدول الموردة للسلاح
إن التقارير الموثقة بشأن استمرار تدفق المسيّرات وقطع الغيار والتكنولوجيا العسكرية العابرة للحدود إلى أطراف النزاع تطرح تساؤلات جدية بشأن مسؤولية الدول الموردة بموجب معاهدة تجارة الأسلحة لعام 2013 (المادة 6 و7)، التي تحظر نقل الأسلحة في حال العلم بأنها ستُستخدم في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف. وقد تترتب كذلك، بحسب الظروف، المسؤولية الدولية على الدولة الموردة إذا شكّل هذا النقل إخلالًا بالتزام دولي نافذ عليها.
الالتزام الدولي بالحماية والمساءلة
تُذكّر “شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان” و “لجنة العدالة” بأنه، بموجب إطار “مسؤولية الحماية” الذي أُقر في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005، تتحمل كل دولة مسؤولية حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. كما تقع على المجتمع الدولي، من خلال الأمم المتحدة، مسؤولية استخدام الوسائل الدبلوماسية والإنسانية وغيرها من الوسائل السلمية المناسبة للمساعدة في حماية السكان من هذه الجرائم، مع الاستعداد لاتخاذ إجراءات جماعية من خلال مجلس الأمن، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، عندما تكون الوسائل السلمية غير كافية وتُخفق السلطات الوطنية إخفاقًا بيّنًا في حماية سكانها.
كما تُذكّر بأن السودان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل الحق في الحياة (المادة 6)، ويحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب المادة 7، ولا يجوز الانتقاص من أي من هذين الحقين بموجب المادة 4(2) من العهد، حتى في حالات الطوارئ العامة التي تهدد حياة الأمة.
المطالب العاجلة التي تتطلب التحرك
استنادًا إلى الوقائع الموثقة والإطار القانوني الدولي المذكور أعلاه، فإننا:
- نُطالب بوقف فوري وغير مشروط لجميع هجمات الطائرات المسيّرة والقصف العشوائي من قبل قوات الدعم السريع، الذي يستهدف المدنيين والأعيان المدنية المحمية في مدينة الأبيض، باعتبار ذلك التزامًا قانونيًا لا خيارًا سياسيًا.
- ندعو إلى فتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة وفق ضمانات دولية لإيصال الغذاء والدواء والوقود إلى سكان المدينة، ووقف استخدام التجويع كأسلوب حرب محظور بموجب القانون الدولي الإنساني.
- “نحث مجلس الأمن الدولي على اتخاذ تدابير عاجلة وفعالة لضمان المساءلة، بما في ذلك توسيع نطاق الإحالة القائمة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو إحالة الوضع في السودان ككل إلى المحكمة، بما يشمل الجرائم المرتكبة في الأبيض وكردفان، ودعم عمل البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، وتشجيع الدول على تفعيل الولاية القضائية العالمية بحق المشتبه في مسؤوليتهم عن الجرائم الدولية.”نطالب الدول الموردة للأسلحة والمسيّرات والتكنولوجيا العسكرية بالوقف الفوري لهذا التدفق، امتثالًا لالتزاماتها بموجب معاهدة تجارة الأسلحة والقانون الدولي لمسؤولية الدول.
- ندعو المنظمات الأممية والحقوقية والإنسانية إلى تعزيز حضورها التوثيقي والتشغيلي داخل الأبيض، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات الموثقة تمهيدًا للمساءلة.
- نؤكد حق ضحايا هذه الانتهاكات وأسرهم في الحقيقة والعدالة والجبر، وهو حق أصيل لا يسقط بالتقادم
وتشددّ “شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان” ولجنة العدالة”، إن التقاعس عن التحرك إزاء ما يجري في الأبيض اليوم لا يُعد موقفًا محايدًا، بل يفاقم خطر تكرار مأساة كان يمكن تفاديها. وإننا نُجددّ التحذير من أن كل يوم تأخير في التحرك الجادّ يُقرّب المدينة أكثر من مصير الفاشر، ونُحمّل أطراف النزاع المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن أي تدهور إضافي في الأوضاع.
الموقعون
شبكة مراقبة حقوق الإنسان – السودان
لجنة العدالة



