قدّمت منظمة عوافي السودانية ولجنة العدالة تقريرًا مشتركًا بتاريخ 27 فبراير 2026 استجابةً لنداء المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء. ويعرض التقرير نتائج توثق انتشار عمليات الإعدام السري، والقتل خارج نطاق القانون، والوفيات المرتبطة بالتعذيب أثناء الاحتجاز، إضافة إلى الهجمات ذات الطابع العرقي في مناطق متعددة من السودان، في ظل النزاع المسلح المستمر منذ أبريل 2023.
ويستند التقرير إلى مقابلات منهجية أُجريت خلال عام 2025 وبداية عام 2026، إلى جانب مواد توثيقية أخرى، حيث تشير النتائج إلى أن الحرمان غير المشروع من الحياة بات يأخذ طابعًا منهجيًا في عدة مناطق متأثرة بالنزاع، ولا سيما في دارفور وكردفان.
الإعدامات الواسعة واستهداف المدنيين
وثّقت منظمة عوافي أنماطًا من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء في محيط مدينة الفاشر خلال الفترة بين 22 و30 أكتوبر 2025، شملت حالات إعدام فردية وجماعية تراوح عدد ضحاياها بين أربعة أشخاص وأكثر من مائتي ضحية في الحادثة الواحدة، ونُسبت هذه الوقائع إلى قوات الدعم السريع. ومن بين الحالات الموثقة عمليات إعدام خارج نطاق القانون وقعت بالقرب من كلية الهندسة بجامعة الفاشر، وفي أحياء سكنية، وبجوار منشآت طبية، وعلى الطرق ونقاط التفتيش.
وفي 23 يناير 2026، وثّقت لجنة العدالة ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت سوقًا مدنيًا في منطقة أبو زعيمة بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين وإصابة ما لا يقل عن ثلاثين آخرين، بينهم نساء وأطفال.
كما وثّقت لجنة العدالة في 29 يناير 2026 مقتل خمسة عشر مدنيًا أثناء تجمع جنائزي في منطقة الرويكبة بولاية جنوب كردفان، بعدما تعرّضت مقبرة للقصف خلال مراسم الدفن.
وفي إقليم دارفور وولايات كردفان، تم توثيق أكثر من ستين حالة وفاة لمدنيين مرتبطة بضربات الطائرات المسيّرة من قبل قوات الدعم السريع. كما سُجلت هجمات استهدفت الصحفيين والمنشآت الصحية، بما في ذلك مقتل أربعة عشر صحفيًا خلال عام 2025، إضافة إلى هجوم على مركز صحي أسفر عن مقتل ثمانية مدنيين.
التعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والوفيات داخل أماكن الاحتجاز
كشفت أكثر من ثلاث وثلاثين مقابلة منهجية أُجريت بين فبراير 2025 ويناير 2026 عن أنماط متكررة من الاحتجاز التعسفي في مواقع غير رسمية وغير معلنة، شملت الغابات والمزارع وسجونًا سابقة ومبانٍ سرية. وأفاد المحتجزون بحرمانهم من الاتصال بالمحامين وأفراد أسرهم منذ الساعات الأولى للاحتجاز، وغياب الفحوص الطبية المستقلة، وإجراء الاستجوابات دون تسجيل صوتي أو مرئي.
وفي حالات موثقة في سجن دقريس بمدينة نيالا، أُبلغت الأسر بوفاة ذويها دون الكشف عن أسباب الوفاة أو تقديم تقارير تشريح الجثامين أو نتائج التحقيقات. كما وصف ناجون تعرضهم لانتهاكات مطولة، وانتزاع اعترافات تحت الإكراه، وطلب فديات تصل إلى عشرة ملايين جنيه سوداني، إضافة إلى تكرار حالات الاعتقال. وتراوحت فترات الاحتجاز بين عدة ساعات وتسعة أشهر.
وتشير شهادات متعددة إلى استخدام أساليب تعذيب بهدف انتزاع الاعترافات أو معاقبة الأفراد على أساس انتمائهم العرقي أو مهنتهم أو انتمائهم السياسي المفترض. كما أفاد الضحايا بأنهم استُهدفوا عند نقاط تفتيش تسيطر عليها قوات الدعم السريع، حيث وُجهت إليهم اتهامات بالانتماء إلى الجيش أو القوات المشتركة أو أحزاب سياسية، قبل أن يتم إعدامهم دون أي إجراءات قضائية.
القتل على أساس عرقي
تشير عمليات الرصد التي أجرتها منظمة عوافي ولجنة العدالة، استنادًا إلى مقابلات مع ناجين وضحايا، إلى أن المجتمعات العرقية غير العربية — بما في ذلك المساليت والفور والزغاوة وغيرها من المجموعات الإفريقية — تعرضوا للاستهداف والقتل في مدينة الفاشر ومحيطها. وفي منطقة كرنوِي بولاية شمال دارفور، أفادت التوثيقات بمقتل أكثر من ثلاثمائة مدني في 2 يناير 2025 على أساس عرقي.
كما وثّق التقرير ممارسات التصنيف العرقي عند نقاط التفتيش، وتصاعد التعذيب عند تحديد الانتماء القبلي. وتواجه الأسر المنتمية إلى المجتمعات الأقلية صعوبات أكبر في استعادة جثامين ذويها، أو تقديم الشكاوى، أو الحصول على الوثائق الرسمية. ويؤدي الخوف من الانتقام في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى إسكات العديد من الناجين وإعاقة جهود المساءلة.
الإفلات العقاب وغياب المساءلة
تشير نتائج التقرير إلى غياب شبه كامل لآليات تحقيق فعّالة في المناطق المتأثرة بالنزاع. فلا يوجد سجل عام مركزي يوثق الوفيات المرتبطة بالنزاع، ولا سلطة ادعاء عامة تعمل بصورة مستقلة ومتاحة للجمهور، كما تغيب الآليات المستقلة لتلقي الشكاوى أو حماية الشهود.
كذلك لا تتوفر معلومات عن أي إجراءات تأديبية أو جنائية للمساءلة، ولا يوجد إطار شامل لجبر الضرر للضحايا. ويسهم غياب الشفافية الجنائية، والدفن السريع للجثامين في ظل انعدام الأمن، والتدخل في ممارسات الدفن، وترهيب الأسر، في تقويض حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
وفي ضوء هذه النتائج، دعت لجنة العدالة ومنظمة عوافي السودانية إلى:
- الوقف الفوري لجميع عمليات القتل خارج نطاق القانون والإعدامات بإجراءات موجزة في مدينة الفاشر وفي جميع مناطق النزاع في السودان.
- إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وشفافة في جميع الحالات الموثقة، بمشاركة خبراء دوليين في الطب الشرعي، مع الإعلان العلني عن نتائج التحقيقات.
- تعليق تنفيذ أحكام الإعدام التعسفية ومراجعة الأحكام القائمة بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
- ضمان وصول هيئات المراقبة المستقلة دون عوائق، بما في ذلك بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان، وتوفير الحماية لفاعلي المجتمع المدني والشهود من أعمال الانتقام.
- توفير جبر شامل للضحايا وأسرهم، بما يشمل رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار.
وأكدت منظمة عوافي ولجنة العدالة أن استمرار نمط القتل غير المشروع والتعذيب والاستهداف التمييزي يمثل اعتداءً خطيرًا على الكرامة الإنسانية والحق في الحياة. وشددتا على أن غياب المساءلة الفعالة والانخراط الدولي العاجل سيؤدي إلى استمرار الإفلات من العقاب وتفاقم الانتهاكات.
Skip to PDF content



