تونس: رصدت لجنة العدالة (Committee for Justice – CFJ) ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الوفيات وحالات التدهور الصحي الحاد بين المواطنين والمحتجزين داخل السجون التونسية وأقسام الاستعجالي، بالتزامن مع موجات الحر الشديدة وانقطاع التيار الكهربائي والمياه. وتؤكد اللجنة أن سياسة التعتيم والإنكار التي تنتهجها وزارة الصحة والسلطات المعنية، إلى جانب الاكتظاظ السجني وغياب تدابير السلامة والتهوية، تحول الكوارث المناخية إلى انتهاك جسيم وتهديد مباشر للحق في الحياة والسلامة الجسدية.
تفاصيل الأزمة داخل أقسام الاستعجالي وفي السجون: وتشير المعطيات التوثيقية الميدانية، المستندة للبلاغات الطبية وشهادات المحامين والحقوقيين، إلى أزمة صحية تتجاوز طاقة استيعاب المنظومة الطبية والسجنية:
- الأزمة الصحية وأقسام الإنعاش: سجلت أقسام الاستعجالي والإنعاش تدفقاً هائلاً للمصابين بضربات الشمس؛ حيث أحصت الأطر الطبية في مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس وحدها وفاة 13 مواطناً خلال 24 ساعة، وإيواء نحو 40 مريضاً في غرفة الإنعاش التي لا تتسع سوى لـ 16 مريضاً، وسط انقطاعات متكررة للكهرباء وتعطل وسائل التكييف. ورغم إحصاء وزارة الصحة للوفيات والمصابين، إلا أنها امتنعت عن نشر الأرقام الرسمية واكتفت ببلاغات تنفي الاختناق المؤسسي.
- الوفيات وتدهور الأوضاع داخل السجون: أدت موجة الحر الشديدة داخل السجون ومراكز الإيقاف، التي تعاني من اكتظاظ يتجاوز ضعف طاقاتها الاستيعابية (نحو 33 ألف سجين مقابل 17 ألف سرير)، إلى حالات وفاة واختناق سريعة؛ حيث قُدرت الوفيات بخمس حالات في سجون تونس الكبرى (من بينها سجن المرناقية)، إضافة إلى 4 حالات وفاة بسجن المنستير، وحالات أخرى بسجني قفصة والمهدية.
- شهادات الإهمال والمماطلة القضائية: وثّقت لجنة العدالة (CFJ) حالة شاب عشريني توفي بسجن المرناقية إثر تدهور صحته جراء الحر والاكتظاظ، بعد طعن ومماطلة قضائية طالت إجراءات استنطاقه ومطالب الإفراج عنه لأسباب صحية على ذمة قضية تحفظية، دون إعلام عائلته أو محاميه بوفاته إلا بعد مرور أيام.
التكييف والتأصيل القانوني للانتهاك: تؤكد لجنة العدالة (CFJ) أن حرمان المحتجزين من البيئة الملائمة والرعاية الصحية أثناء الفترات المناخية الاستثنائية يُلزم الدولة بالمسؤولية القانونية والمباشرة عن سلامة حياتهم:
- الدستور والقوانين الوطنية: يتنافى التقاعس والتعتيم مع أحكام الفصل 24 و25 من دستور 2022 (ضمان الحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية وحظر المعاملة القاسية أو المهينة)، والفصل 36 (التزام الدولة بضمان معاملة إنسانية تحفظ كرامة المحرومين من الحرية)، والفصل 38 (توفير الوقاية والرعاية الصحية لكافة المواطنين).
- المعايير الدولية: تُشكل ظروف الاحتجاز في ظل الحر الشديد والاكتظاظ انتهاكاً للمادتين 6 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتنعكس كـ “معاملة قاسية ولاإنسانية” بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. كما تخالف هذه الأوضاع قواعد 12 و13 و24 و45 من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) التي تفرض توفير التهوية والمساحة الشافية والخدمات الطبية الطارئة وتعديل ظروف الاحتجاز للمرضى وفئات الهشاشة.
بناءً على ذلك، تطالب لجنة العدالة (CFJ) السلطات التونسية بـ:
- إعلان حالة الطوارئ الصحية فوراً، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة لدعم الأطقم الطبية والممرضين في أقسام الاستعجالي والإنعاش.
- الشفافية المطلقة ووقف التعتيم الإعلامي عبر نشر الأرقام الرسمية الشاملة لعدد الوفيات والإصابات الناجمة عن ضربات الشمس وتداعيات الحر داخل المستشفيات والسجون.
- فتح تحقيقات قضائية وطبية مستقلة في كافة حالات الوفاة المسجلة داخل المؤسسات السجنية، وتحديد المسؤوليات الناتجة عن التقصير والإهمال، وإحاطة عائلات المتوفين بالتقارير الطبية.
- اتخاذ تدابير عاجلة للحد من الاكتظاظ السجني عبر الإفراج المباشر عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي والموقوفين في قضايا الرأي والمرسوم 54، وكبار السن والمرضى، وتفعيل العقوبات والتدابير البديلة (كالسوار الإلكتروني).
- توفير وسائل التهوية والتكييف والمياه الصالحة للشرب داخل كافة المؤسسات السجنية وأقسام العلاج، والسماح للهيئات الحقوقية والرقابية المستقلة بالنفاذ والتفتيش لتقييم الأوضاع.



