٣ مارس ٢٠٢٦
ترحّب المنظمات الموقعة مبدئيًا بإعلان الحكومة المصرية بشأن إعداد استراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان، مع التأكيد على أوجه القصور والإخفاقات التي شابت الاستراتيجية السابقة.
وقد أشارت الأمانة الفنية للجنة الدائمة العليا لحقوق الإنسان في مصر في إعلانها إلى ما وصفته بـ”التقدم الذي حققته مصر، منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية الحالية في سبتمبر ٢٠٢١”، مع إيلاء اهتمام خاص لما سمّته “تعزيز وحماية حقوق الإنسان، بمفهومها الشامل.”
إلا أنّ لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (CAT) أكدت أنّ التعذيب في مصر لا يزال مشكلة واسعة الانتشار، وأن “انعدام المساءلة” يساهم في “تهيئة مناخ الإفلات من العقاب”.
وفي ملاحظاتها الختامية الأخيرة، أعربت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (HRC) عن قلقها من استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لـ”إسكات المنتقدين الفعليين أو المفترضين للحكومة”. وأخيرًا، وفي إطار عملية المراجعة الدورية الشاملة (UPR)، رفضت مصر توصية بإنهاء “الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي”، وهو ما سبق أن أشارت إليه أيضًا كلٌّ من لجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الإنسان.
إنَّ إتاحة مناخ من الإفلات من العقاب على التعذيب، وإساءة استخدام التشريعات الفضفاضة لاستهداف منتقدي الحكومة، والإنكار الصريح للمشكلات المعترف بها في مجال حقوق الإنسان، لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال “تقدمًا” أو “صونًا” لحقوق الإنسان.
وعليه، تؤكد المنظمات الموقعة أن تجديد ونشر استراتيجية جديدة لحقوق الإنسان لا يُعدّ إنجازًا بحد ذاته. فالمصداقية لا تُقاس بإصدار وثائق أو الإعلان عن “رؤى” أو عقد اجتماعات شكلية مع المجتمع المدني، بل تُقاس بتحقيق تقدم ملموس يمكن قياسه والتحقق منه ونسبه إلى الجهات المسؤولة.
وفي هذا الصدد، كانت استراتيجية حقوق الإنسان المصرية ٢٠٢١-٢٠٢٦ أقرب إلى الشكل منها إلى المضمون؛ إذ جاءت التزاماتها فضفاضة وغير محددة، من دون مؤشرات قابلة للقياس تُتيح تتبّع التقدم أو تقييم النتائج. كما كانت آليات المتابعة والمراجعة محدودة أو تفتقر للشفافية الكافية. وكانت النتيجة وجود فجوة مستمرة بين الالتزامات المعلنة والواقع الفعلي على الأرض.
بالتالي يجب أن تتجاوز الاستراتيجية المُجددة مجرّد إعادة صياغة الطموحات أو إعادة ترتيب الأولويات على الورق. ينبغي أن تتبنّى منطق خطة العمل: أهداف محددة، ومسؤوليات واضحة، وجداول زمنية ومعايير مُعلنة، بالإضافة إلى مشاركة ورقابة فعّالة من الجمهور والمجتمع المدني، بما في ذلك من خلال تقديم مُدخلات مكتوبة علنية.
وفي هذا الصدد، تُعبّر المنظمات الموقعة عن قلقها من أن عملية إعداد الاستراتيجية المُجددة تبدو مرتبطة بوزارة الخارجية المصرية. فعلى الرغم من أهمية الانخراط الدولي، فإن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان معنية، بطبيعتها، بالقوانين والسياسات والممارسات الداخلية. ومن ثمّ، فإن تطويرها وتنفيذها يتطلبان قيادة واضحة ومساءلة من المؤسسات المسؤولة عن الحوكمة والعدالة على المستوى الوطني.
وتُعدّ الجهود المكرسة لإصلاح نظام العدالة الجنائية في مصر ذات أهمية خاصة، بما يشمل أوضاع الاحتجاز، وضمانات المحاكمة العادلة، وحظر التعذيب وسوء المعاملة، والحبس الاحتياطي، والسياسات أو الممارسات التي تؤثر مباشرة على ضمانات الإجراءات القانونية وحقوق الدفاع والحرية الشخصية.
وتدعو المنظمات الموقعة إلى تبنّي نماذج عمل منظمة قابلة للتقييم والرصد فيما يتعلق بنهج الاستراتيجية الجديدة لإصلاح العدالة الجنائية، حيث تُعدّ التحديات في هذا المجال من بين الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على حياة الشعب المصري وسيادة القانون. وتحديدًا، تسلّط المنظمات الضوء على الحاجة إلى مراقبة مستقلة لأماكن الاحتجاز، وإطلاق حملة وطنية علنية لوقف التعذيب، وضمان المحاكمة العادلة، وتقليص الحبس الاحتياطي بما في ذلك ممارسة “التدوير”.
وباعتبار أنّ معالجة مسألة العدالة الجنائية ستكون حاسمة في تحديد مصداقية الاستراتيجية الجديدة، ستقوم المنظمات الموقعة بإعداد “استراتيجية ظل” مستقلة يقودها المجتمع المدني، تتضمن معايير واضحة وقابلة للقياس للإصلاح. وستشكّل استراتيجية الظل مرجعًا مستقلاً وموثوقًا، يحدد أولويات ومعايير المجتمع المدني، ويوفر أساسًا لتقييم جودة واتساق وجدية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في نسختها المُجددة.
وتؤكد المنظمات الموقعة أن الاختبار الحقيقي للاستراتيجية المُجددة يكمن في تنفيذها وفي تحقيق تغيير فعلي وملموس على أرض الواقع.
الموقّعون:
لجنة العدالة
المفوضية المصرية للحقوق و الحريات
ديجنتي
ريدرس



