مازيرو، ليسوتو – 16 أكتوبر 2026
شاركت لجنة العدالة (Committee for Justice – CFJ) في استعراض التقرير الدوري للجمهورية الإسلامية الموريتانية بشأن تنفيذ الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، وذلك في مازيرو، عاصمة ليسوتو، في إطار الدورة العادية الثامنة والأربعين للجنة الأفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته.
وأتاح هذا الاستعراض تقييم التقدم المحرز في موريتانيا منذ الاستعراض السابق، وبحث مدى انعكاس القوانين والسياسات والآليات الوطنية على الحياة اليومية للأطفال، ولا سيما الأطفال الذين يواجهون الفقر أو العزلة الجغرافية أو النزوح أو الهجرة أو الإعاقة أو غير ذلك من أشكال التمييز.
الإصلاحات المعلنة والتدابير المؤسسية
عرض الوفد الموريتاني مجموعة من التدابير التشريعية والمؤسسية الرامية إلى تعزيز حماية الطفولة، من بينها نشر الميثاق الأفريقي في الجريدة الرسمية، واعتماد القانون التوجيهي لمنظومة التعليم، وتعزيز الإطار القانوني لمكافحة العبودية والاتجار بالأشخاص والتهريب غير المشروع للمهاجرين، إلى جانب إنشاء محكمة متخصصة للنظر في هذه الجرائم.
كما سلط الوفد الضوء على الجهود المبذولة لتوسيع نطاق تسجيل المواليد في الحالة المدنية، وإنشاء آليات محلية لحماية الطفولة، وتدريب العاملين في القطاع الاجتماعي، ومكافحة عمل الأطفال، وتحسين فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
وتناولت المناقشات كذلك استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، ولا سيما في المناطق الشرقية من البلاد. وتؤكد لجنة العدالة أن الأطفال اللاجئين والمهاجرين والنازحين وعديمي الجنسية، وكذلك أطفال المجتمعات المستضيفة، يجب أن يتمتعوا، دون تمييز، بحق الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وتسجيل المواليد والحصول على هوية قانونية، فضلاً عن الحماية الفعلية من العنف والاستغلال والإهمال.
الممارسات التقليدية الضارة ومواءمة التشريعات
تعرب لجنة العدالة عن قلقها البالغ إزاء استمرار زواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية. ويحظر الميثاق الأفريقي زواج الأطفال، ويلزم الدول بتحديد الحد الأدنى لسن الزواج بثماني عشرة سنة، كما تُعدّ ممارسات تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان للفتيات، ما يستوجب حظراً قانونياً فعلياً، وفرض عقوبات على مرتكبيها، واعتماد تدابير وقائية وآليات لحماية الضحايا.
إن استمرار الزواج المبكر يحرم الفتيات من حقهن في التعليم، ويعرّضهن للحمل المبكر والعنف والاستغلال، ويخلّف آثاراً طويلة الأمد على صحتهن واستقلاليتهن. وتدعو اللجنة موريتانيا إلى ضمان حظر صريح وكامل، دون استثناء، لزواج من هم دون سن الثامنة عشرة، وإلزامية تسجيل جميع الزيجات، وتعزيز حملات التوعية الموجهة إلى الأسر والسلطات الدينية والعرفية والمعلمين والمجتمعات المحلية.
وفيما يتعلق بتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، تدعو اللجنة إلى تكثيف التنفيذ الفعلي للتشريعات ذات الصلة، وملاحقة مرتكبي هذه الممارسات، وحماية الأطفال المعرّضين لخطر وشيك، وضمان وصول الضحايا فعلياً إلى الرعاية الطبية والدعم النفسي وإعادة التأهيل وسبل الانتصاف القانونية.
كما توصي اللجنة بمواءمة شاملة لقانون حماية الطفل وسائر التشريعات الوطنية مع أحكام الميثاق الأفريقي، ولا سيما فيما يتعلق بعدم التمييز، والحماية من العنف، وحظر العقاب البدني، وعدالة الأحداث، ومشاركة الأطفال، والوصول إلى العدالة.
التعليم وعمل الأطفال والهشاشة الاجتماعية
ترحب لجنة العدالة بالجهود المعلنة في مجال التعليم، لكنها تؤكد أن التفاوتات الإقليمية بين المناطق الحضرية والريفية، إلى جانب ارتفاع معدلات الانقطاع عن الدراسة، لا تزال تحدّ من التمتع الفعلي بالحق في التعليم.
ويجب أن يستفيد الأطفال في المناطق النائية والمناطق الحدودية ومجتمعات اللاجئين والأسر الأكثر فقراً من تدابير موجهة، تشمل توفير مدارس يسهل الوصول إليها، ومعلمين مؤهلين بما يكفي، ونقل مدرسي ملائم، ومطاعم مدرسية، ومواد تعليمية، وآليات تضمن استمرار الأطفال في الدراسة، ولا سيما الفتيات.
ولا يزال الاستغلال الاقتصادي للأطفال، خصوصاً في القطاعات غير المنظمة والقطاع الزراعي، يشكل مصدر قلق بالغ. وتدعو اللجنة إلى تعزيز التفتيش على العمل، وفرض عقوبات فعلية على المسؤولين عن الاستغلال، وتحديد الأطفال العاملين، وتوفير بدائل تضمن حمايتهم وتمدرسهم وإعادة تأهيلهم وإعادة إدماجهم في أسرهم أو مجتمعاتهم المحلية.
كما تتطلب أوضاع الأطفال التلاميذ في المحاظر التقليدية، والأطفال في وضعية الشارع، والقاصرين غير المصحوبين بذويهم، استجابة مستدامة. وتوصي اللجنة بإرساء آليات للتكفل بهم تستند إلى مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وتشمل الإيواء الآمن، والحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والهوية، والبحث عن أسرهم عندما يكون ذلك في مصلحتهم، فضلاً عن برامج لإعادة الإدماج الاجتماعي والمدرسي.
تسجيل المواليد والخدمات الأساسية وعدالة الأحداث
على الرغم من التقدم المعلن، لا يزال تسجيل المواليد غير مكتمل في بعض المناطق النائية. ويؤدي غياب شهادات الميلاد ووثائق الهوية إلى حرمان الأطفال من الوصول الفعلي إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والعدالة.
وتدعو لجنة العدالة إلى ضمان تسجيل جميع المواليد مجاناً وفوراً وبصفة شاملة، بما في ذلك في المناطق الريفية ومناطق البدو والمناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين أو مناطق استقبالهم، دون عوائق إدارية أو مالية أو تمييزية.
وتؤكد اللجنة كذلك ضرورة تحسين ظروف احتجاز الأحداث وإعطاء الأولوية بصورة منهجية للتدابير البديلة للحرمان من الحرية، مثل الوساطة وجبر الضرر والمتابعة التربوية والتكفل الأسري أو المجتمعي وتدابير إعادة الإدماج.
وفي الحالات التي يكون فيها سلب الحرية ضرورياً بصورة صارمة، يجب احتجاز الأطفال في ظروف تتوافق مع المعايير الدولية، مع فصلهم عن البالغين، وحمايتهم من العنف، وضمان حصولهم على المساعدة القانونية والطبية والنفسية.
فجوة مستمرة بين النصوص القانونية والواقع
ترحب لجنة العدالة بالتدابير التشريعية والمؤسسية التي عرضها الوفد الموريتاني. غير أن اعتماد القوانين والخطط أو إنشاء اللجان لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات حدوث تحسن حقيقي في أوضاع الأطفال.
ويظل المعيار الحاسم هو التغيير الملموس في حياة الأطفال وأسرهم، من حيث الوصول إلى الخدمات والحماية والتعليم والصحة والهوية القانونية والعدالة وسبل الانتصاف الفعالة، دون أي تمييز على أساس مكان الإقامة أو الجنس أو الإعاقة أو الوضع الاقتصادي أو الأصل أو وضع الهجرة أو أي وضع آخر.
وقد أبرزت الدورة عدداً من المسائل التي تتطلب إجابات أكثر وضوحاً وفعالية، من بينها:
- الحظر الصريح والشامل للعقاب البدني وجميع أشكال التأديب العنيف داخل الأسرة والمدارس ومؤسسات الرعاية والمؤسسات التعليمية الدينية أو التقليدية.
- حماية الأطفال من التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال والممارسات الضارة، ولا سيما زواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية.
- ضمان عدم معاقبة الأطفال ضحايا العنف أو الاستغلال الجنسي على أفعال ترتبط مباشرة بالانتهاكات التي تعرضوا لها.
- وضع إجراءات قضائية ملائمة للأطفال، تحترم خصوصيتهم وتضمن حصولهم على المساعدة القانونية والطبية والنفسية.
- تعزيز وحدات حماية الطفولة داخل الشرطة والمؤسسات المختصة، وتوسيع انتشارها جغرافياً وتوفير التمويل الكافي لها.
- إنشاء خطوط مساعدة مجانية وآمنة وسرية، يسهل على الأطفال الوصول إليها على مدار الساعة، وضمان تشغيلها الفعلي.
- الحد من التفاوتات الجغرافية في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية.
- ضمان التسجيل الفوري والشامل لجميع الأطفال عند الولادة، وإصدار وثائق الهوية دون تمييز.
- مكافحة عمل الأطفال والاتجار بهم واستغلالهم، بالتوازي مع توفير الحماية وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج للضحايا.
- إنتاج بيانات موثوقة ومتاحة للعموم، مصنفة حسب العمر والجنس والمنطقة والإعاقة ووضع الهجرة والوضع الاجتماعي والاقتصادي.
- ضمان المشاركة الفعلية للأطفال ومنظمات المجتمع المدني المستقلة في إعداد السياسات العامة ومتابعتها وتقييمها.
ضرورة الإرادة السياسية والتنفيذ الفعلي
ترى لجنة العدالة أن التحدي الرئيسي الذي تواجهه موريتانيا لم يعد يقتصر على اعتماد نصوص قانونية جديدة أو إنشاء مؤسسات إضافية، بل يتمثل في التنفيذ الفعلي والمتسق والمنصف والممول بصورة كافية للالتزامات القائمة.
ويتطلب ذلك إرادة سياسية مستدامة، وتخصيص ميزانيات كافية وشفافة، وتدريب المسؤولين العموميين والمهنيين العاملين مع الأطفال ومن أجلهم، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، إلى جانب إنشاء آليات مستقلة للمتابعة وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها وإحالة الضحايا إلى الجهات المختصة وضمان المساءلة.
كما ينبغي ألا تتركز السياسات العامة في العاصمة أو المراكز الحضرية، بل يجب أن تحقق نتائج ملموسة في المناطق الريفية ومناطق البدو والمناطق الحدودية، وكذلك داخل المجتمعات المتضررة من الفقر والنزوح والهجرة ونقص الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، صرّح أحمد مفْرَح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، قائلاً:
«إن حماية حقوق الطفل في موريتانيا لا تتطلب مجرد المزيد من النصوص والقرارات، بل تستوجب إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع، ولا سيما من خلال وضع حد لزواج الأطفال وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وعمل الأطفال واستغلالهم، وضمان حق كل طفل في التعليم والصحة والهوية القانونية والعدالة. فقيمة القانون تُقاس بقدرته على حماية الطفل فعلياً من العنف والاستغلال والتمييز، أينما كان، ودون أي تمييز».
المتابعة والبيانات والمساءلة
تدعو لجنة العدالة السلطات الموريتانية إلى وضع خطة وطنية لتنفيذ التوصيات التي ستصدر عن اللجنة الأفريقية، بمشاركة الأطفال والمجتمع المدني. وينبغي أن تتضمن هذه الخطة جدولاً زمنياً واضحاً، وتحديداً دقيقاً للمؤسسات المسؤولة، وميزانيات شفافة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآليات مستقلة للمتابعة.
كما تدعو اللجنة إلى نشر توصيات اللجنة الأفريقية على نطاق واسع، وإتاحة البيانات المتعلقة بحقوق الطفل للعموم، وتنظيم مشاورات دورية مع الأطفال وأسرهم والمجتمعات المتضررة ومنظمات المجتمع المدني.
ويجب ألا تقتصر عمليات الاستعراض أمام الآليات الأفريقية على عرض القوانين والسياسات الحكومية، بل ينبغي أن تشكل أدوات فعلية للمتابعة والمساءلة، تتيح تقييم ما إذا كانت الالتزامات المعلنة قد أسهمت بالفعل في وضع حد للانتهاكات وتحسين حياة الأطفال.
وتجدد لجنة العدالة استعدادها لمواصلة التعاون مع اللجنة الأفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته، ومنظمات المجتمع المدني الموريتانية والأفريقية، والآليات الإقليمية والدولية المختصة، دعماً لمتابعة التوصيات وتعزيز حماية الأطفال وضمان وصول الضحايا إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة



