Skip to content

تونس: حكم قابس يكرّس الإفلات من العقاب البيئي

أقل من دقيقة مدة القراءة: دقائق

تُعبّر لجنة العدالة (CFJ) عن بالغ انشغالها إزاء قرار الدائرة الاستعجالية بالمحكمة الابتدائية بقابس الصادر يوم 26 فيفري/فبراير 2026، والقاضي برفض الطلب الاستعجالي الرامي إلى إيقاف نشاط الوحدات الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي.

تعتبر اللجنة أنّ هذا الحكم يُفرغ القضاء الاستعجالي من وظيفته الوقائية، ويمنح عملياً غطاءً لاستمرار المساس بالحق في الحياة والحق في الصحة والحق في بيئة سليمة. كما يمثّل استخفافاً بمبدأ الوقاية/الحيطة، الذي يقتضي التدخل عند قيام مخاطر جدية أو محتملة لضرر جسيم أو غير قابل للإصلاح، حتى في حال عدم اكتمال اليقين العلمي، لأنّ حماية الصحة العامة يجب أن تعلو على الاعتبارات المادية أو الفنية.

إنّ التعليل بـ“عدم ثبوت الضرر” في ظل واقع صحي وبيئي خطير يعيشه أهالي قابس لا ينسجم مع طبيعة القضاء الوقائي، ويُقارب إنكار العدالة، إذ يُحمّل الضحايا المنهكين عبء إثبات ضررٍ قائمٍ وممتدّ، بدل إلزام الجهة الملوِّثة بإثبات سلامة نشاطها واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع الخطر أو الحدّ منه. إن انتظار “اختبارات فنية” طويلة في سياق خطر مستمر ليس سوى حكم بالموت البطيء مع وقف التنفيذ، ويقوّض جوهر العدالة الوقائية.

وتؤكد لجنة العدالة أنّ القرار يتعارض مع الالتزامات الدستورية الواقعة على عاتق الدولة، وفي مقدمتها الفصل 47 من الدستور الذي يُلزم الدولة بحماية البيئة وضمان الحق في بيئة سليمة ومتوازنة وتوفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث. كما يتنافى مع مقتضيات الحوكمة الرشيدة والشفافية التي يفترض أن تحكم عمل الإدارة والمؤسسات العمومية، بما فيها الذراع الصناعي للدولة.

إقليمياً، يشكّل هذا النهج خرقاً لروح المادة 24 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب التي تكفل حق الشعوب في بيئة مُرضية وشاملة ومواتية لتنميتها، بما يفرض على تونس، كدولة مصادِقة، تفسير قوانينها وتطبيقها بما يضمن الحماية الفعلية لهذا الحق لا بما يعطّله أو يفرغه من مضمونه. ودولياً، يتناقض القرار مع الاعتراف الأممي بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة بوصفه حقاً من حقوق الإنسان، مرتبطاً ارتباطاً لا ينفصل بالحق في الحياة والصحة والماء والغذاء.

وفي موازاة إضعاف أدوات الحماية القضائية، تُسجّل لجنة العدالة بقلق بالغ قمع السلطات التونسية للتحركات السلمية المناهضة لاستمرار الأنشطة الملوِّثة في قابس، وما رافق ذلك من تضييق على المتظاهرين وتفريق للاحتجاجات وتوقيفات واعتقالات. وتؤكد اللجنة أنّ الحق في التجمع السلمي حق مكفول بموجب الالتزامات الدولية والإقليمية لتونس، ولا يجوز تقييده إلا في أضيق الحدود ووفق معايير الضرورة والتناسب، بما يحظر تجريم الاحتجاج السلمي أو تحويل المطالبة بالحق في بيئة سليمة إلى ملف أمني.

إن استمرار سكب الفوسفوجيبس وانبعاث الغازات والملوثات تحت غطاء قرار قضائي يُكرّس واقع الإفلات من العقاب البيئي، ويضع الدولة في موقع الخصم والحكم في آن واحد، بما يقوّض ثقة المواطنين في المؤسسات بوصفها حامية للحقوق والحريات، ويُخلّ بمبدأ العدالة والمساواة في تحمّل الأعباء العامة. كما يدفع قابس، فعلياً، نحو التحول إلى “منطقة تضحية بيئية” تُحمّل فيها المجتمعات المحلية كلفة نموذج إنتاجي ملوِّث على حساب صحتها وكرامتها.

وبناءً عليه، تعلن لجنة العدالة (CFJ):

  1. دعمها الكامل للفرع الجهوي للمحامين بقابس في الاستئناف الفوري لهذا الحكم، والدفع نحو تكريس اجتهاد قضائي وقائي يُغلّب حماية الحياة والصحة والبيئة على الاعتبارات الإجرائية الشكلية.
  2. دعوتها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان والبيئة إلى التدخل العاجل لتقييم الوضع في قابس، وتوجيه توصيات واضحة تضمن حماية الحقوق البيئية والحق في النفاذ إلى العدالة.
  3. مطالبتها السلطات التونسية بالوقف الفوري لسكب الفوسفوجيبس واتخاذ تدابير آنية وشفافة للحد من الانبعاثات والملوثات، ووضع جدول زمني مُعلن وملزم لتفكيك/تحديث الوحدات الملوِّثة، واعتماد مسار انتقال بيئي عادل يضمن حماية الصحة العامة والكرامة الإنسانية لسكان الجهة.
  4. مطالبتها بوقف تجريم الاحتجاج السلمي، والإفراج عن كل الموقوفين على خلفية ممارستهم السلمية لحقوقهم، وفتح تحقيقات جدية وشفافة في كل مزاعم الإفراط في استعمال القوة، وضمان احترام معايير الضرورة والتناسب في أي تدخل أمني.

لمزيد من المعلومات والطلبات الإعلامية أو الاستفسارات، يرجى التواصل معنا
(0041229403538 / media@cfjustice.org)

آخر الأخبار

اشترك في نشرتنا الإخبارية!

كن أول من يحصل على أحدث منشوراتنا