لجنة العدالة تثير انتهاكات احتجاز الأطفال والتعذيب والاختفاء القسري والمحاكمات غير العادلة والتمييز الديني ضد الأطفال البهائيين
ماسيرو، ليسوتو | 15 أكتوبر 2026
شاركت لجنة العدالة (CFJ) في مراجعة مدى تنفيذ مصر لالتزاماتها بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل، أمام اللجنة الأفريقية لخبراء حقوق ورفاهية الطفل (ACERWC)، وذلك خلال أعمال دورتها العادية الثامنة والأربعين، المنعقدة في العاصمة ماسيرو بمملكة ليسوتو.
وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة، إذ تأتي بعد نحو 18 عامًا من آخر مراجعة خضعت لها مصر أمام اللجنة الأفريقية، عندما نوقش تقريرها الأولي خلال الدورة العادية الثانية عشرة في نوفمبر 2008.
وتوفر المراجعة الحالية، التي تتناول التقرير الدوري الأول لمصر، فرصة مهمة لتقييم مدى امتثال السلطات المصرية لالتزاماتها بموجب الميثاق الأفريقي، ولا سيما فيما يتعلق بحماية الأطفال المحرومين من حريتهم، وضمانات عدالة الأحداث، وحظر التمييز ضد الأطفال المنتمين إلى الأقليات الدينية.
وفي إطار مشاركتها، قدمت لجنة العدالة معلومات موثقة وملاحظات قانونية وتساؤلات بشأن انتهاكات جسيمة تمس حقوق الأطفال في مصر، وركزت على محورين رئيسيين: الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال داخل منظومة الاحتجاز والعدالة الجنائية، والتمييز الذي يواجهه الأطفال البهائيون وأسرهم.
أولًا: الأطفال في أماكن الاحتجاز.. انتهاكات جسيمة وغياب مستمر للمساءلة
سلطت لجنة العدالة الضوء على حالات موثقة وادعاءات تتعلق بالقبض التعسفي على الأطفال، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاستجواب تحت الإكراه، والحبس الانفرادي، واحتجاز الأطفال مع البالغين، وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة.
وأعربت اللجنة عن قلقها إزاء استمرار تطبيق الفقرة الثانية من المادة 122 من قانون الطفل المصري، التي تجيز، في ظروف معينة، محاكمة الأطفال الذين تجاوزوا الخامسة عشرة أمام محاكم البالغين عند اتهامهم في قضايا تضم متهمين بالغين.
وأكدت لجنة العدالة أن هذا الاستثناء يثير إشكاليات جدية بشأن توافق التشريعات والممارسات المصرية مع المادة 17 من الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل، والمعايير الدولية التي تقتضي توفير نظام عدالة متخصص للأطفال.
وفي هذا السياق، استعرضت اللجنة عددًا من الحالات التي توضح طبيعة الانتهاكات المثارة.
قضية بهاء الدين خليل:
أشارت لجنة العدالة إلى قضية الطفل بهاء الدين خليل، الذي أُلقي القبض عليه في سبتمبر 2024 عندما كان يبلغ من العمر 16 عامًا، وتفيد المعلومات المقدمة بتعرضه للاختفاء القسري لأكثر من ثلاثة أشهر، إلى جانب ادعاءات بتعرضه للتعذيب واحتجازه مع بالغين.
وفي أبريل 2026، قررت اللجنة الأفريقية لخبراء حقوق ورفاهية الطفل قبول الشكوى المتعلقة بقضيته من حيث المقبولية، بما يسمح بمواصلة النظر فيها، دون أن يشكل ذلك حكمًا في موضوع الانتهاكات المدعى بها.
وطالبت لجنة العدالة بتوضيح ظروف احتجازه خلال فترة اختفائه المزعوم، والكشف عن الإجراءات المتخذة للتحقيق بصورة مستقلة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
قضية «الجوكر» – القضية رقم 195 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا:
وثقت لجنة العدالة القبض على 48 طفلًا على خلفية هذه القضية، من بينهم 28 طفلًا أُحيلوا للمحاكمة أمام محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ، ضمن قضية شملت متهمين بالغين.
وأثارت اللجنة تساؤلات بشأن الأساس القانوني لمحاكمة الأطفال أمام محاكم استثنائية، ومدى احترام الضمانات الخاصة بعدالة الأحداث، وسبل الانتصاف المتاحة للأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات خلال إجراءات القبض والتحقيق والمحاكمة.
حريق مؤسسة المرج لتأهيل الأطفال:
تناولت لجنة العدالة أيضًا الحريق الذي اندلع داخل مؤسسة المرج لتأهيل الأطفال عام 2021، وأسفر عن وفاة ستة أطفال وإصابة 25 آخرين.
وطالبت بالكشف عن نتائج التحقيقات المتعلقة بالواقعة، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المسؤولين، والتدابير التي تضمن عدم تكرار مثل هذه الحوادث، بما في ذلك إخضاع مؤسسات احتجاز الأطفال لرقابة مستقلة وفعالة.
وإلى جانب هذه الحالات، طالبت لجنة العدالة السلطات المصرية بتقديم بيانات مفصلة ومصنفة بشأن أعداد الأطفال الذين تعرضوا للقبض أو الاحتجاز منذ عام 2021، وادعاءات التعذيب والاختفاء القسري، ومدد الحبس الاحتياطي، ومدى تمكين الأطفال من التواصل مع أسرهم ومحاميهم والحصول على الرعاية الطبية وتقديم الشكاوى بصورة آمنة.
وشددت اللجنة على أن حماية الأطفال لا تتحقق بمجرد النص على الضمانات القانونية، وإنما تتطلب رقابة مستقلة، وتحقيقات فعالة، وآليات حقيقية للمساءلة وجبر الضرر، وتدابير ملموسة لمنع تكرار الانتهاكات.
ثانيًا: التمييز ضد الأطفال البهائيين.. الحق في الهوية القانونية والتعليم والحياة الأسرية
أثارت لجنة العدالة كذلك الانتهاكات والصعوبات القانونية والإدارية التي تواجهها الأسر البهائية في مصر، وانعكاساتها المباشرة على تمتع أطفالها بحقوقهم الأساسية.
وسلطت الضوء على غياب آلية إدارية متاحة بصورة عامة للاعتراف بزواج البهائيين وتوثيقه، وما قد يترتب على ذلك من عقبات تتعلق بتسجيل المواليد، واستخراج وثائق الهوية، وإثبات الجنسية، والميراث، والالتحاق بالتعليم، والحصول على الخدمات العامة الأساسية.
وتناولت اللجنة بصورة خاصة حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 27 يناير 2026، الذي نقض حكمًا قضائيًا كان قد اعترف بزواج زوجين بهائيين.
وأعربت لجنة العدالة عن قلقها إزاء التداعيات المحتملة لهذا الحكم على الأسر البهائية الأخرى، ولا سيما الأطفال الذين قد يتأثر مركزهم القانوني بعدم الاعتراف بزواج والديهم.
كما أشارت إلى حالات أُبلغ فيها عن تغيير الحالة الاجتماعية المثبتة سابقًا في السجلات الرسمية، والصعوبات التي تواجه بعض الأسر البهائية في استخراج شهادات الميلاد المميكنة وغيرها من الوثائق الرسمية.
وأكدت أن هذه العقبات قد تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الأطفال على الحصول على التعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية، فضلًا عن المساس بحقهم في الهوية وعدم التمييز.
وفي هذا السياق، استحضرت لجنة العدالة قرار اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الصادر عام 2016 في قضية حسام عزت ورانيا عنايت ضد مصر، والمتعلق بالاعتراف بزواج البهائيين، إلى جانب الملاحظات التي أثارتها آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بشأن التمييز ضد الأقليات الدينية.
وطالبت لجنة العدالة السلطات المصرية بإقرار ضمانات قانونية وإدارية فعالة تحول دون حرمان الأطفال من حقوقهم الأساسية بسبب المعتقد الديني لوالديهم أو وضعهم القانوني من حيث الزواج.
وشددت على أن الحق في الهوية القانونية وتسجيل الميلاد والتعليم والحماية من التمييز حقوق أصيلة لكل طفل، ولا يجوز إخضاعها لأي تمييز قائم على الدين أو المعتقد أو الوضع الأسري.
ردود الوفد المصري.. استعراض للتشريعات دون إجابات كافية بشأن الانتهاكات والمساءلة
أعربت لجنة العدالة عن خيبة أملها إزاء طبيعة الردود التي قدمها الوفد الحكومي المصري خلال جلسات المراجعة.
ووفقًا لتقييم لجنة العدالة لمجريات الجلسات، اعتمد الوفد بصورة واسعة على استعراض النصوص التشريعية والأحكام القانونية والإجراءات المؤسسية، دون تقديم إجابات واضحة وكافية عن عدد من التساؤلات الجوهرية المتعلقة بالانتهاكات الموثقة وتداعياتها العملية.
ورأت اللجنة أن الوفد لم يقدم توضيحات كافية بشأن ادعاءات تعذيب الأطفال واختفائهم قسريًا، والمساءلة عن الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، ومحاكمة الأطفال أمام محاكم البالغين والمحاكم الاستثنائية، والتمييز الذي يواجهه الأطفال البهائيون.
وأكدت لجنة العدالة أن مجرد وجود نصوص تشريعية تكفل حماية حقوق الأطفال لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على امتثال الدولة لالتزاماتها الدولية والأفريقية.
فالمعيار الحقيقي للامتثال يتمثل في التطبيق الفعلي للقانون، وإجراء التحقيقات المستقلة، وتوفير المعلومات والبيانات بشفافية، وضمان المساءلة وإتاحة سبل الانتصاف الفعالة للضحايا.
وأعربت اللجنة عن قلقها من أن النهج الذي اتبعه الوفد المصري يعكس نمطًا سبق رصده خلال مراجعات دولية وإقليمية أخرى لسجل مصر الحقوقي، يتمثل في تقديم النصوص القانونية باعتبارها دليلًا على الامتثال، دون الاستجابة بصورة كافية للأسئلة المتعلقة بالانتهاكات الموثقة أو تحديد المسؤوليات ومحاسبة مرتكبيها.
ودعت لجنة العدالة السلطات المصرية إلى التعامل بصورة بناءة مع أسئلة اللجنة الأفريقية وتوصياتها، وتقديم معلومات قابلة للتحقق، واعتماد التزامات واضحة وقابلة للقياس لتحسين أوضاع حقوق الأطفال.
تعزيز مشاركة المجتمع المدني المستقل في الآليات الأفريقية لحقوق الإنسان
رحبت لجنة العدالة بفرصة المشاركة في مراجعة ملف مصر إلى جانب منظمات المجتمع المدني المستقلة والمدافعين عن حقوق الإنسان من مختلف أنحاء القارة الأفريقية.
وأكدت أن هذه المشاركة تأتي في إطار التزامها بتعزيز التعاون مع المؤسسات والآليات الأفريقية لحقوق الإنسان، وضمان مساهمة المجتمع المدني المستقل في عمليات المراجعة والمساءلة الإقليمية.
وفي هذا السياق، صرح أحمد مفرح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، قائلًا:
«تأتي هذه المراجعة بعد نحو ثمانية عشر عامًا من آخر مرة ناقشت فيها اللجنة الأفريقية سجل مصر في مجال حقوق الطفل. وهي فرصة مهمة للانتقال من الحديث عن التشريعات والنصوص القانونية إلى مناقشة الأوضاع الفعلية التي يعيشها الأطفال، ولا سيما الأطفال المحرومون من حريتهم أو الذين يتعرضون للتمييز.
للأسف، ما شاهدناه من الوفد المصري يعكس نهجًا مألوفًا؛ استعراض مطول للقوانين والنصوص التشريعية، مقابل إجابات غير كافية عن الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا حدث لهؤلاء الأطفال؟ ومن المسؤول عن الانتهاكات التي تعرضوا لها؟ وما التحقيقات التي أُجريت؟ وما التدابير التي اتُخذت لضمان عدم تكرارها؟
لقد حرصنا على المشاركة في هذه المراجعة لضمان طرح الوقائع والانتهاكات التي يواجهها الأطفال في مصر أمام اللجنة الأفريقية، والمساهمة في تعزيز حضور المجتمع المدني المصري المستقل داخل منظومة حقوق الإنسان الأفريقية.
وتعكس مشاركتنا التزامًا مستمرًا بتعزيز حماية حقوق الأطفال في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، باعتبار ذلك جزءًا أصيلًا من عمل لجنة العدالة.
ونؤمن بأن حماية حقوق الأطفال مسؤولية أفريقية مشتركة، وأن المساءلة الحقيقية تبدأ عندما تتجاوز المؤسسات حدود النصوص القانونية إلى مواجهة الواقع الذي يعيشه الأطفال، وما يتعرضون له من انتهاكات تمس حقوقهم وكرامتهم ومستقبلهم».
لجنة العدالة تدعو إلى إصلاحات ملموسة ومتابعة أفريقية مستمرة
في ضوء القضايا التي أثيرت خلال المراجعة، دعت لجنة العدالة السلطات المصرية إلى اتخاذ الإجراءات التالية:
- وقف الانتهاكات بحق الأطفال في أماكن الاحتجاز، بما يشمل التعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والحبس الانفرادي، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة في جميع الادعاءات الجدية.
- إصلاح منظومة عدالة الأحداث، بما في ذلك تعديل الفقرة الثانية من المادة 122 من قانون الطفل، لمنع محاكمة الأطفال أمام محاكم البالغين، وتعزيز التدابير البديلة للاحتجاز.
- ضمان الرقابة المستقلة على مؤسسات احتجاز الأطفال، وتوفير الحق في الاستعانة بمحامٍ، والتواصل مع الأسرة، والحصول على الرعاية الطبية، واستخدام آليات شكاوى آمنة وملائمة للأطفال.
- ضمان المساءلة عن الانتهاكات والحوادث الجسيمة داخل مؤسسات احتجاز الأطفال، بما في ذلك إعلان نتائج التحقيقات المتعلقة بحريق مؤسسة المرج عام 2021.
- إنهاء التمييز ضد الأطفال البهائيين، وإزالة العقبات القانونية والإدارية التي تعوق تسجيل مواليدهم واستخراج وثائق هويتهم وحصولهم على التعليم والخدمات العامة.
- تقديم بيانات دقيقة ومصنفة إلى اللجنة الأفريقية لخبراء حقوق ورفاهية الطفل، إلى جانب التزامات واضحة وقابلة للقياس، وجداول زمنية لتنفيذ الإصلاحات وآليات لمتابعة التقدم المحرز.
كما دعت لجنة العدالة اللجنة الأفريقية لخبراء حقوق ورفاهية الطفل إلى ضمان المتابعة المستمرة لتنفيذ مصر التزاماتها بموجب الميثاق الأفريقي، وإشراك منظمات المجتمع المدني المستقلة بصورة فعالة في عمليات المتابعة والتقييم.
وأكدت لجنة العدالة عزمها على مواصلة توسيع عملها مع الآليات الأفريقية المعنية بحقوق الطفل، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالاحتجاز وعدالة الأحداث والتمييز وسبل الانتصاف، مع تعزيز جهودها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
وترى لجنة العدالة أن هذه المراجعة، التي طال انتظارها، يجب أن تمثل نقطة انطلاق نحو رقابة أفريقية مستمرة، وإصلاحات مؤسسية حقيقية، ومساءلة فعالة، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطفال وكرامتهم على أرض الواقع، لا الاكتفاء بالنص عليها في التشريعات.



