تتابع لجنة العدالة بقلق بالغ التطورات المتعلقة بمصير الناشط السياسي والبرلماني السابق مصطفى النجار، الذي انقطع التواصل معه منذ سبتمبر 2018، في ظروف لا تزال غامضة وتثير مخاوف جدية بشأن تعرضه للاختفاء القسري أو التصفية خارج إطار القانون.
وكان مصطفى النجار قد أبلغ زوجته، قبل أيام من جلسة محاكمته مع آخرين على ذمة القضية المعروفة إعلاميًا بـ«إهانة القضاء»، بأنه متواجد في مدينة أسوان جنوبي مصر. وبعد أيام من انقطاع الاتصال به، تلقت زوجته اتصالًا هاتفيًا من شخص مجهول على هاتف المنزل، أفاد خلاله بأن مصطفى قد تم القبض عليه، دون أي معلومات إضافية عن مكان احتجازه أو الجهة التي قامت بالقبض عليه.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تصدر السلطات المصرية أي بيان رسمي يوضح مصير مصطفى النجار، كما لم يتم تمكين أسرته أو محاميه من التواصل معه أو معرفة مكان وجوده، في انتهاك صارخ للحق في الحرية والأمان الشخصي، ولضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور المصري والمواثيق الدولية.
وتزداد خطورة هذه القضية في ضوء ما تم تداوله مؤخرًا عبر وسائل الإعلام، حيث صرّح محمد الباز – إعلامي مصري مقرب من الأجهزة الأمنية – بأن مصطفى النجار قد لقي مصرعه مقتولًا على الحدود السودانية أثناء محاولته الهروب من البلاد لتجنب صدور حكم ضده في قضية “إهانة القضاء”.
وإذ تؤكد لجنة العدالة أن هذه التصريحات – على خطورتها – لا ترقى إلى مستوى بيان رسمي أو رواية موثقة، فإنها تطرح تساؤلات ملحّة حول مصير مصطفى النجار، وحول صمت السلطات المستمر بشأنه منذ أكثر من ثماني سنوات. وتشدد لجنة العدالة على أن تداول مثل هذه الادعاءات عبر وسائل إعلام مقربة من السلطة، دون أي نفي أو توضيح رسمي من الجهات المختصة، يحمّل الدولة مسؤولية قانونية مضاعفة، ويُعد قرينة إضافية على الإخلال بواجب الشفافية وحماية الحق في الحياة.
كما تؤكد لجنة العدالة أنها تقدّمت بشكوى بخصوص مصطفى النجار إلى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي عام 2019، وقدّمت شكوى أخرى مطلع عام 2025، وذلك في إطار متابعتها المستمرة للقضية وسعيها للكشف عن مصيره وضمان حقه وحق أسرته في الحقيقة والعدالة. وقد أدرج فريق الاختفاء القسري القضية ضمن مراسلاته الرسمية مع الحكومة المصرية، وفقًا لما ورد في تقريره الصادر تحت رقم A/HRC/WGEID/135/1. ورغم هذه المراسلات الصادرة عن آلية أممية مختصة، امتنعت السلطات المصرية عن تقديم أي رد أو توضيح بشأن مصير مصطفى النجار، في إخلال واضح بالتزاماتها بالتعاون مع آليات الأمم المتحدة، ولا سيما في ظل السماح بتداول ادعاءات حول “مقتله” عبر وسائل إعلام مقربة من الأجهزة الأمنية، دون إصدار أي بيان رسمي ينفي أو يوضح تلك الادعاءات.
إن استمرار الغموض الرسمي، في مقابل تسريبات وتصريحات إعلامية غير موثقة، يعزز المخاوف من تعرض مصطفى النجار لانتهاكات جسيمة، ويقوض الثقة في التزام السلطات المصرية بمسؤولياتها القانونية والإنسانية.
الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي في قضية مصطفى النجار
تشير الوقائع المتاحة في قضية مصطفى النجار إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة ومستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها جريمة الاختفاء القسري، كما هي معرّفة في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتي تُعد من أخطر الانتهاكات المركبة، لما تنطوي عليه من حرمان تعسفي من الحرية، وإنكار لمصير الشخص أو مكان وجوده، ووضعه خارج حماية القانون.
ويمثل امتناع السلطات المصرية منذ عام 2018 عن الكشف عن مصير مصطفى النجار، أو تمكين أسرته ومحاميه من أي معلومات رسمية عنه، انتهاكًا مباشرًا للحق في الحرية والأمان الشخصي، ولحظر الاعتقال التعسفي، وللحق في الاعتراف بالشخص أمام القانون. كما يشكل هذا السلوك إخلالًا جسيمًا بضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في الدفاع والحق في التواصل مع المحامي والأسرة.
وفي حال ثبوت صحة الادعاءات المتداولة بشأن مقتله خارج إطار القضاء، فإن ذلك يرقى إلى جريمة قتل خارج نطاق القانون، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “الحق في الحياة”، والمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي صدقت عليه مصر عام 1982. فالحق في الحياة حق غير قابل للتقييد أو الانتقاص، ويستوجب تحقيقًا فوريًا، مستقلًا وفعالًا مساءلة الجناة.
وتؤكد لجنة العدالة أن جريمة الاختفاء القسري، بطبيعتها المستمرة، لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة تتحمل مسؤولية قانونية كاملة ما دامت لم تكشف عن مصير الشخص المختفي، أو تحقق في الانتهاكات المرتكبة، أو تضمن المساءلة وجبر الضرر للضحايا وأسرهم، وفقًا لالتزاماتها الدولية.
وتطالب لجنة العدالة السلطات المصرية بما يلي:–
الإفصاح الفوري والرسمي عن مصير مصطفى النجار، وبيان ما إذا كان على قيد الحياة من عدمه.
الكشف عن مكان احتجازه، إن كان محتجزًا، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه فورًا.
فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات اختفائه منذ عام 2018، وما أثير مؤخرًا من ادعاءات بشأن مقتله.
وقف سياسة الصمت والإنكار في قضايا الاختفاء القسري، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الانتهاكات من المساءلة.
وتؤكد لجنة العدالة أن الحق في معرفة الحقيقة هو حق أصيل للضحايا وأسرهم، وأن تجاهل مصير مصطفى النجار، أو الاكتفاء بروايات إعلامية غير رسمية، يمثل انتهاكًا جسيمًا لسيادة القانون ولالتزامات مصر الدولية في مجال حقوق الإنسان.



