تُعبّر لجنة العدالة (Committee for Justice – CFJ) عن ارتياحها للإفراج الذي تمّ خلال الليلة الفاصلة بين يومي الاثنين والثلاثاء 6 يناير 2026 عن عدد من العاملين والعاملات في المجال الإنساني التابعين لمنظمة أرض اللجوء (Terre d’asile) في تونس، بعد أكثر من عشرين شهرًا من الاحتجاز على خلفية ملاحقات قضائية مرتبطة بأنشطتهم في مرافقة المهاجرين وطالبي اللجوء.
وقد جاء هذا الإفراج إثر حكم صادر عن الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، قضى بسجن المتهمين لمدة سنتين مع تأجيل التنفيذ، ما أدى إلى إطلاق سراحهم فورًا. وتشمل القضية كلًا من: شريفة الرياحي، الرئيسة السابقة لجمعية تونس أرض اللجوء، وعياض بوسالمي، الرئيس الحالي للجمعية منذ سنة 2023، ومحمد إقبال خالد، الرئيس السابق لبلدية سوسة، وإيمان ورداني، النائبة السابقة لرئيس بلدية سوسة، ومحمد جوعو.
ورغم هذا التطور الإيجابي، تؤكد لجنة العدالة أن الاحتجاز الوقتي الذي تعرّض له المعنيون والمعنيات، والذي امتدّ لنحو عشرين شهرًا، يرقى إلى احتجاز تعسفي، في خرق واضح لضمانات المحاكمة العادلة ولمبدأ التناسب، كما هي مكرّسة في القانون التونسي وفي الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويتجلى الطابع التعسفي لهذا الاحتجاز في جملة من الانتهاكات، من بينها: طول مدة الإيقاف التحفظي دون مبررات قانونية فردية ومعللة، استخدام الحبس الاحتياطي بشكل عقابي بدل اعتباره استثناءً مقيدًا بضرورات محددة، رفض اعتماد بدائل عن الاحتجاز رغم توافر شروطها، تقييد حق المعنيين والمعنيات في التواصل المنتظم مع عائلاتهم ومحاميهم، واحتجازهم في ظروف مادية ومعنوية لا ترقى إلى المعايير الدنيا لمعاملة المحتجزين، بما يحوّل هذا الإجراء من تدبير إجرائي مؤقت إلى عقوبة مقنّعة خارج أي حكم باتّ.
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع يتسم بـتشديد السياسات المتعلّقة بالهجرة وبخطاب رسمي عنصري تحريضي ضدّ المهاجرين/ات، وخاصة القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وباستهداف متزايد لمنظمات المجتمع المدني الناشطة في المجال الإنساني. وترى لجنة العدالة أن هذا السياق يعكس سياسات تمييزية ممنهجة من قبل الدولة، ساهمت في تأجيج العنف وخطاب الكراهية والانتهاكات الجسيمة لحقوق المهاجرين/ات، كما طالت كل من يقدّم لهم الدعم والحماية.
إن تجريم العمل الإنساني والزجّ بالعاملين والعاملات فيه في مسارات قضائية ظالمة ومطوّلة، مقرونة باحتجاز تعسفي، يكشف عن مقاربة أمنية وقمعية في التعامل مع قضايا الهجرة، تقوم على تحميل منظمات المجتمع المدني مسؤولية فشل السياسات العمومية، وكذلك سياسات “إدارة الهجرة” القائمة على المقايضات مع الاتحاد الأوروبي، بدل الالتزام بحلول تحترم الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للجميع.
وتذكّر لجنة العدالة بأن التضامن والعمل الإنساني ليسا جريمة، وأن مساعدة المهاجرين وطالبي اللجوء تندرج ضمن الالتزامات القانونية والأخلاقية للدولة التونسية، بما في ذلك احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية ومقتضيات حماية الأشخاص المعرّضين للخطر.
وبناءً على ما سبق، تدعو لجنة العدالة السلطات التونسية إلى:
- وضع حدّ فوري لتجريم العمل الإنساني واستهداف المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وخاصة العاملين في قضايا الهجرة واللجوء؛
- إسقاط كل التتبّعات القضائية ذات الطابع العقابي المرتبطة بالأنشطة المشروعة في تقديم الدعم والمساعدة للمهاجرين وطالبي اللجوء؛
- مراجعة السياسات والممارسات المتعلّقة بالهجرة بما يضمن مواءمتها مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومع مبادئ المساواة وعدم التمييز؛
- ضمان عدم تكرار ممارسات الاحتجاز التعسفي واحترام الحق في الحرية والمحاكمة العادلة، بما يصون دولة القانون والكرامة الإنسانية للجميع.



