جنيف – 22 أكتوبر 2026
تعرب لجنة العدالة (CFJ) عن قلقها البالغ إزاء استمرار الغموض المحيط بموعد إجراء الانتخابات النقابية العمالية في مصر، في ظل اقتراب انتهاء الدورة النقابية الحالية بعد تمديدها لمدة ستة أشهر بموجب القانون رقم 74 لسنة 2026، وتجدد المخاوف بشأن احتمال تأجيل الانتخابات للمرة الثانية. وتحذر اللجنة من أن أي تمديد إضافي، دون ضرورة قانونية استثنائية ومبررات موضوعية واضحة ومعلنة، من شأنه المساس بحق العمال في اختيار ممثليهم بحرية، وتقويض مبادئ الديمقراطية النقابية واستقلالية التنظيمات العمالية.
وتأتي هذه المخاوف في أعقاب سلسلة من التطورات التي شهدها ملف الانتخابات النقابية خلال عام 2026، إذ كان من المقرر إجراء انتخابات الدورة الجديدة عقب انتهاء الدورة النقابية التي بدأت في عام 2022. غير أن المجلس الأعلى للتشاور في مجال العمل أوصى، خلال أبريل 2026، بتمديد الدورة الحالية لمدة ستة أشهر إضافية، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بتزامن العملية الانتخابية مع عدد من المؤتمرات والفعاليات العمالية العربية والدولية.
وعقب هذه التوصية، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون بتمديد الدورة النقابية، قبل أن يقر مجلس النواب التمديد في مايو 2026. وصدر لاحقًا القانون رقم 74 لسنة 2026، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 8 يونيو 2026، والذي نص على استمرار الدورة النقابية الحالية لمدة ستة أشهر تبدأ من تاريخ انتهائها، مع وجوب الدعوة إلى انتخابات مجالس إدارات المنظمات النقابية للدورة الجديدة قبل انتهاء مدة التمديد بستين يومًا على الأقل.
وتشير لجنة العدالة إلى أن وزارة العمل كانت قد أعلنت، خلال فبراير 2026، اتخاذ إجراءات تحضيرية لإجراء الانتخابات النقابية للدورة 2026–2030، بما في ذلك إعداد منصة إلكترونية لتيسير الإجراءات الانتخابية. غير أن المعلومات الرسمية المتاحة حتى 22 أكتوبر 2026 لا توضح بصورة كافية موعد الدعوة إلى الانتخابات أو الجدول الزمني لتنفيذ الاستحقاق الانتخابي بعد صدور قانون التمديد، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالمهلة القانونية المقررة، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية لضمان إجراء الانتخابات في موعدها.
وتزداد هذه التساؤلات أهمية في ضوء استمرار المناقشات المتعلقة بتعديل قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، بما في ذلك المشاورات التي تناولها اجتماع المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي في 18 أكتوبر 2026. وتؤكد اللجنة أن أي مراجعة تشريعية للإطار المنظم للعمل النقابي ينبغي ألا تتحول إلى مبرر لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية أو إطالة بقاء القيادات النقابية الحالية دون تجديد تفويضها من القواعد العمالية.
وترى لجنة العدالة أن المبررات التي استند إليها التمديد الأول، والمتعلقة بتعارض المواعيد الانتخابية مع مؤتمرات وفعاليات عمالية، تثير تساؤلات بشأن مدى تناسب هذا الإجراء مع الحق في التنظيم النقابي. فالمشاركة في الفعاليات الدولية، على أهميتها، لا ينبغي أن تتقدم على حق العمال في تجديد ممثليهم ومحاسبتهم بصورة دورية، أو أن تؤدي إلى تعطيل الآليات الديمقراطية داخل التنظيمات النقابية.
وتشدد اللجنة على أن إجراء الانتخابات النقابية بصورة دورية وحرة ونزيهة لا يمثل مجرد إجراء إداري أو تنظيمي، بل يشكل إحدى الضمانات الجوهرية لاستقلالية الحركة النقابية، ويتيح للعمال ممارسة الرقابة على ممثليهم وتجديد القيادات وفقًا لإرادتهم الحرة. كما أن استمرار القيادات النقابية لفترات تتجاوز المدد المقررة، دون العودة إلى الجمعيات العمومية، قد يؤدي إلى إضعاف المساءلة الداخلية، وتقييد فرص التغيير والتجديد، وتعميق الاختلالات القائمة في التمثيل النقابي.
وتلفت لجنة العدالة إلى أن هذه التطورات تأتي في سياق تحديات أوسع تواجه حرية التنظيم النقابي والتعددية النقابية في مصر، بما في ذلك الانتقادات الموجهة إلى بعض أحكام القانون رقم 213 لسنة 2017 وتعديلاته، وما يرتبط بتطبيقه من صعوبات أمام تأسيس التنظيمات النقابية المستقلة وممارسة أنشطتها بحرية، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بتكافؤ الفرص بين التنظيمات النقابية المختلفة، وضمان عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وفي هذا السياق، تؤكد اللجنة أن حرية التنظيم النقابي لا تقتصر على حق العمال في تأسيس النقابات والانضمام إليها، وإنما تشمل كذلك حقهم في وضع لوائح تنظيماتهم، وانتخاب ممثليهم بحرية كاملة، وإدارة شؤونهم وأنشطتهم دون تدخل من السلطات العامة.
وتستند هذه الحقوق إلى المعايير الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم لعام 1948، التي تنص مادتها الثالثة على حق منظمات العمال وأصحاب العمل في انتخاب ممثليها بحرية كاملة، وتلزم السلطات العامة بالامتناع عن أي تدخل من شأنه تقييد هذا الحق أو إعاقة ممارسته المشروعة.
كما تؤكد اللجنة أهمية الالتزام باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية لعام 1949، التي تكفل الحماية من أعمال التمييز المناهضة للنقابات والتدخل في شؤون التنظيمات العمالية. وقد صدّقت مصر على الاتفاقيتين، بما يرتب عليها التزامات دولية باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لضمان ممارسة هذه الحقوق بصورة فعلية.
وتشير لجنة العدالة كذلك إلى أن المادة 76 من الدستور المصري تكفل الحق في إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي، وتضمن استقلالها، وهو ما يقتضي احترام إرادة العمال في اختيار ممثليهم وتجديد قياداتهم، وعدم اتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية تؤدي إلى إفراغ هذه الضمانات من مضمونها.
وتؤكد اللجنة أن وجود سند تشريعي لتمديد الدورة النقابية لا يحسم، في حد ذاته، مدى توافق الإجراء مع المعايير الدولية لحرية التنظيم النقابي، إذ يتعين تقييم أي تمديد في ضوء ضرورته وتناسبه وتأثيره الفعلي على حقوق العمال. كما تحذر من أن تكرار تمديد الدورات النقابية قد يؤدي إلى تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسة متكررة تقوض مبدأ التداول الديمقراطي داخل التنظيمات العمالية.
وبناءً على ذلك، تطالب لجنة العدالة السلطات المصرية، وفي مقدمتها وزارة العمل والجهات التشريعية المعنية، بما يلي:
- الإعلان العاجل عن الموعد القانوني لانتهاء الدورة النقابية الممددة، ونشر الجدول الزمني للانتخابات والإجراءات المتخذة لتنفيذ القانون رقم 74 لسنة 2026، بما في ذلك توضيح مدى الالتزام بمهلة الدعوة إلى الانتخابات قبل انتهاء مدة التمديد بستين يومًا على الأقل.
- الامتناع عن أي تمديد إضافي للدورة النقابية الحالية من شأنه تعطيل حق العمال في انتخاب ممثليهم، ما لم تستند الضرورة الاستثنائية إلى مبررات قانونية وموضوعية واضحة ومعلنة، مع ضمان توافق أي إجراء مع المعايير الدولية لحرية التنظيم النقابي.
- ضمان إجراء انتخابات نقابية حرة ونزيهة وشفافة، تكفل المساواة بين جميع المرشحين والتنظيمات النقابية، وتحمي حق العمال في الترشح والتصويت واختيار ممثليهم دون تمييز أو قيود تعسفية.
- ضمان استقلال العملية الانتخابية عن التدخلات الإدارية والأمنية، والامتناع عن استخدام إجراءات التسجيل أو اعتماد أوراق المرشحين أو غيرها من التدابير التنظيمية للتأثير في نتائج الانتخابات أو استبعاد المرشحين أو التضييق على النقابات المستقلة.
- ضمان ألا تؤدي المناقشات التشريعية الجارية بشأن تعديل قانون المنظمات النقابية إلى تعطيل الاستحقاق الانتخابي، مع إجراء مشاورات حقيقية وشفافة مع التنظيمات النقابية المستقلة وممثلي العمال بشأن أي تعديلات مقترحة.
- مراجعة التشريعات والممارسات المنظمة للعمل النقابي، بما يضمن توافقها مع اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 ورقم 98، ويعزز التعددية النقابية واستقلالية التنظيمات العمالية، ويكفل المساواة في ممارسة الحقوق النقابية.
- توفير آليات فعالة ومستقلة للطعن والتظلم من القرارات والإجراءات الانتخابية، بما يضمن معالجة المخالفات بصورة سريعة وعادلة، وحماية حقوق المرشحين والناخبين.
وتؤكد لجنة العدالة أن احترام المواعيد القانونية للانتخابات النقابية، وضمان حرية العمال في اختيار ممثليهم، يمثلان اختبارًا أساسيًا لمدى التزام السلطات المصرية بحماية الحقوق النقابية وتنفيذ التزاماتها الدستورية والدولية.
كما تشدد اللجنة على أن تعزيز استقلالية الحركة النقابية والتعددية داخلها يتطلب الانتقال من الضمانات التشريعية إلى الممارسة الفعلية، بما يضمن أن تظل إرادة العمال، وليس القرارات الإدارية أو الترتيبات السياسية، الأساس الحاكم لتشكيل تنظيماتهم النقابية وإدارة شؤونها.
وتجدد لجنة العدالة دعوتها إلى السلطات المصرية لضمان إجراء الانتخابات النقابية دون مزيد من التأجيل غير المبرر، واحترام حق العمال في التمثيل الديمقراطي المستقل، بما يعزز قدرتهم على الدفاع الجماعي عن حقوقهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، ويحمي استقلالية العمل النقابي من أي تدخلات تنتقص من إرادة أعضائه.