حذّر تقرير صادر عن بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، التابعة لمجلس حقوق الإنسان، من أنّ الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال حصار واقتحام مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 تمثل مؤشرات واضحة على السير في طريق الإبادة الجماعية، خصوصًا ضد مجتمعات الزغاوة والفور في شمال دارفور.
وقالت البعثة في تقريرها، الصادر في 17 فبراير 2026، إن قوات الدعم السريع ارتكبت على مدى 18 شهرًا سلسلة من الانتهاكات المنظمة التي “تُظهر تنسيقًا وتكرارًا واستهدافًا قائمًا على الهوية العرقية والجندرية والانتماء السياسي المفترض”، وخلّفت جرائم قتل جماعي، واغتصاب واسع النطاق، وتعذيب، واحتجاز تعسفي، وتجويع متعمد للسكان.
18 شهرًا من الحصار: تجويع وتعطيل الخدمات الأساسية
وثق التقرير فرض قوات الدعم السريع حصارًا شاملًا على الفاشر منذ منتصف عام 2024، قطعت خلاله الطرق، ومنعت دخول الطعام والمياه والدواء، وقصفت الأسواق والمستشفيات والمطابخ المجتمعية، الأمر الذي أدى إلى حالات وفاة بسبب الجوع ونقص الرعاية الطبية.
كما أكدت البعثة أن السكان اضطروا في مراحل متقدمة من الحصار إلى تناول أعلاف الحيوانات وجلودها للبقاء على قيد الحياة.
“ثلاثة أيام من الرعب”: مجازر خلال اقتحام المدينة
في 26 و27 أكتوبر 2025، نفذت قوات الدعم السريع عملية اقتحام واسعة النطاق للمدينة، وارتكبت خلالها:
- إعدامات جماعية عند مخارج المدينة والسواتر الترابية التي أنشأتها حولها.
- قتل مئات المدنيين في المنازل والشوارع والمساجد والملاجئ.
- مجزرة داخل جامعة الفاشر وصفت بأنها من الأكثر دموية، حيث قُتل مئات الرجال والنساء والأطفال.
- مجزرة مستشفى السعودي التي أسفرت عن مقتل أكثر من 460 مريضًا وطبيبًا وممرضًا ومرافقًا، قبل حرق الجثث لإخفاء الأدلة.
واعتمد التقرير على شهادات ناجين ووثائق مرئية وصور أقمار صناعية توثق حجم الدمار ومواقع الإعدامات والجثث.
عنف جنسي ممنهج: أداة إبادة وتدمير اجتماعي
كشف التقرير عن ارتكاب الدعم السريع عمليات اغتصاب جماعي واغتصاب علني بحق نساء وفتيات تتراوح أعمارهن بين 7 و70 سنة، في المنازل والجامعات والمستشفيات، بل وعلى طرق الفرار.
كما تعرضت نساء للاختطاف والاحتجاز لعدة أيام وتعرضن للاغتصاب المتكرر، في أفعال ترتقي إلى الاستعباد الجنسي.
وأشار التقرير إلى استخدام خطاب عرقي مباشر أثناء الانتهاكات، تضمن عبارات مثل:لا“يجب أن تلدوا أطفالنا”، “نحن رجالكم الآن”، “سنقضي على الزغاوة”.
عمليات اعتقال وتعذيب واختفاء قسري
أكدت البعثة أن قوات الدعم السريع نفذت اعتقالات واسعة، استخدمت فيها التعذيب الوحشي، من بينها الحرق والتجويع والإهانات العنصرية، كما حولت مستشفى الأطفال السابق في الفاشر إلى مركز تعذيب وإعدام.
وأشارت إلى ابتزاز الأسر عبر طلب فدية مقابل إطلاق سراح المحتجزين، حيث كانت المبالغ الأعلى مفروضة على أبناء الزغاوة.
الدلائل على “القصد الخاص” للإبادة الجماعية
خلصت البعثة إلى أن النمط الكثيف والمتكرر من الجرائم، إلى جانب الخطاب التحريضي للقادة والجنود، وترتيب العمليات وتسلسلها، تشير إلى نية واضحة لتدمير جماعات الزغاوة والفور جزئيًا أو كليًا.
وأكد التقرير أن ثلاثة أركان أساسية من الإبادة الجماعية تحققت في الفاشر:
- قتل أفراد الجماعة
- إلحاق أذى جسدي ونفسي خطير
- فرض ظروف حياة تؤدي إلى فناء الجماعة
دعوات عاجلة للتحرك الدولي
طالبت البعثة المجتمع الدولي بـ:
- فرض عقوبات ووقف توريد السلاح للدعم السريع.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفاشر.
- دعم عمل المحكمة الجنائية الدولية في دارفور.
- حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين الإنسانيين.
- إنشاء آليات جديدة للعدالة والمساءلة.
وقالت البعثة إن ما حدث في الفاشر يمثل “تصعيدًا غير مسبوق” لأنماط العنف السابقة في دارفور، وإن خطر تكرار هذه الفظائع في مناطق أخرى—خصوصًا كردفان—لا يزال قائمًا بشدة.
Skip to PDF content