رصدت لجنة العدالة أوضاعًا إنسانية بالغة الخطورة داخل سجن دقريس الواقع جنوب غرب مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، في ظل معلومات تشير إلى احتجاز أعداد هائلة من المعتقلين تفوق الطاقة الاستيعابية للسجن بعشرات المرات، إلى جانب تعرضهم لانتهاكات جسدية ونفسية ممنهجة.
ويقع سجن دقريس على طريق عد الفرسان – نيالا، قبل وادي بلبل، وقد جرى تأسيسه عام 2015 ليكون بديلًا لسجن نيالا الاتحادي القديم، الذي شُيّد خلال فترة الحكم الإنجليزي–المصري وأصبح يقع وسط المدينة، مع ما صاحبه من مشكلات تتعلق بضيق المساحة وسوء البنية التحتية والصرف الصحي. وقد خُطط لسجن دقريس ضمن ما عُرف آنذاك بـ“مدينة الخير”، ليضم مرافق تأهيلية وورش تدريب، وبسعة تقديرية لا تتجاوز 5,000 سجين.
إلا أن اندلاع الحرب حال دون افتتاح السجن رسميًا وفق الغرض الذي أُنشئ من أجله، أعقبه هجوم مسلح على سجن نيالا القديم (المعروف بسجن كوريا) وإطلاق سراح نزلائه، قبل أن يُستخدم سجن دقريس لاحقًا كمركز احتجاز واسع النطاق. وتشير المعلومات التي رصدتها لجنة العدالة إلى أن عدد المحتجزين داخل السجن تجاوز 160 ألف شخص، بعد توسيع نطاق الاحتجاز ليشمل مباني إدارية وبيوت عاملين جرى ضمها قسرًا إلى محيط السجن.
وتفيد الشهادات بأن من بين المحتجزين شخصيات سياسية وعسكرية وأكاديمية وإعلامية بارزة، إضافة إلى مئات المدنيين من مختلف المكونات الاجتماعية في إقليم دارفور، وسط تمييز في المعاملة على أسس قبلية، حيث أُفرج عن بعض المعتقلين بناءً على وساطات اجتماعية، فيما تُرك آخرون رهن الاحتجاز دون أي إجراءات قانونية.
انتهاكات بحق المحتجزين
أما على صعيد الأوضاع المعيشية، فتشير المعلومات إلى أن المحتجزين يعانون من نقص حاد في الغذاء والمياه، حيث لا يحصل المحتجز في كثير من الأحيان سوى على قطعة واحدة من الطعام يوميًا، مع تزويدهم بمياه غير صالحة للاستخدام الآدمي بكميات شحيحة. كما تم توثيق وفيات متكررة داخل السجن نتيجة الجوع وسوء التغذية والإهمال الطبي، كان آخرها وفاة مسؤولين مدنيين ونقابيين سابقين، في مؤشر خطير على انهيار كامل لشروط الاحتجاز الآدمي.
كما رصدت لجنة العدالة أنماطًا متعددة من التعذيب وسوء المعاملة، شملت الإهانات اللفظية، والإجبار على ممارسات مهينة، والضرب المبرح، والصعق الكهربائي، وإطفاء أعقاب السجائر في أجساد المعتقلين، في انتهاك صارخ للحق في الكرامة الإنسانية وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
جرائم تستوجب المساءلة
وتؤكد لجنة العدالة أن ما يجري داخل سجن دقريس يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم جسيمة تستوجب المساءلة، لا سيما في ظل الاحتجاز الجماعي دون سند قانوني، والاكتظاظ المفرط، والتعذيب الممنهج، والوفيات داخل أماكن الاحتجاز.
من جانبها، تطالب لجنة العدالة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفيًا، أو عرضهم على جهات قضائية مختصة وفق ضمانات المحاكمة العادلة، ووقف جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة، والسماح بوصول عاجل ومستقل للمنظمات الإنسانية والحقوقية، وفتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المرتكبة داخل سجن دقريس، مع محاسبة المسؤولين عنها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.